|
الشراكة الهندية ـ الإسرائيلية: التقارب والقيود هارش. ڤـي. بانت
صدر هذا المقال في المجلّد الثامن، العدد الرابع، ديسمبر 2005، مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية © 2005 MERIA، ويقوم مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية. جميع حقوق الترجمة محفوظة لمركز الخليج للأبحاث 2005 ©
India-Israel Partnership: Convergence and Constraints Harsh.V. Pant
Source: Middle East Review of International Affairs (MERIA) Volume 8, Issue4, December 2005 This article was originally published in English by MERIA and has been translated and re-published in Arabic by Gulf Research Center through arrangement with MERIA. English Version © 2005 MERIA Arabic Translation and Version © 2005 Gulf Research Center All rights reserved.
الشراكة الهندية ـ الإسرائيلية: التقارب والقيود[1] هارش. ڤـي. بانت
خلاصة: تشهد العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية مرحلة من التطور المطرد منذ أن أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في عام 1992 على الرغم من المحاولات الهندية لإبقاء هذه العلاقات الثنائية بعيداً عن مسمع ومرأى الرأي العام. ويمكن لهذه العلاقات المزدهرة أن يكون لها تأثير بارز في السياسة الدولية من خلال تغيير توازن القوى، ليس فقط في منطقة جنوب آسيا والشرق الأوسط، بل في منطقة آسيا الكبرى التي اعترتها حالات اضطراب في السنوات الماضية. ولكن وبالرغم من التقارب في المصالح الهندية ـ الإسرائيلية بشأن العديد من القضايا، يجب إدارة العلاقات الثنائية بين البلدين بطريقة حذرة بسبب العديد من القيود التي تحيط بهذه العلاقات. وتنظر هذه الدراسة في العديد من العوامل التي تساهم في تحقيق التقارب المتزايد بين البلدين، إضافة إلى القيود والمعوقات التي قد تجعل من الصعوبة على هذه العلاقات أن تتطور وتسجل النجاح المنشود.
الشراكة الهندية ـ الإسرائيلية: التقارب والقيود هارش. ڤي بانت India-Israel Partnership: Convergence and Constraints By Harsh.V.Pant الملخص تشهد العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية نمواً مطرداً منذ أن أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة في عام 1992. وعلى الرغم من المحاولات الهندية لإبقاء هذه العلاقات الثنائية المزدهرة خارج نطاق العلنية. ويمكن لمثل هذه العلاقة الناجحة أن يكون لها تأثير بارز في السياسة الدولية من خلال تغيير ميزان القوى، ليس في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط فحسب، بل أيضاً في المنطقة الآسيوية الكبرى، والتي تشهد حالة من التحولات في السنوات الأخيرة. بيد أنه وعلى الرغم من تقارب المصالح بشأن العديد من القضايا بين الهند وإسرائيل, يجب إدارة مثل هذه العلاقة الثنائية بكل عناية واهتمام بسبب العديد من القيود التي تحيط بها. وتبحث هذه الدراسة في تلك العوامل التي تزيد من تقارب البلدين والقيود التي تجعل من الصعوبة بمكان على تلك العلاقات أن تحقق قدرتها الكاملة على التطور والنجاح المتوقع. وقد اكتسبت هذه العلاقات فاعلية جديدة بكل ما في الكلمة من معنى، ثم أصبحت مثار تدقيق وتمحيص عام مع زيارة ارييل شارون إلى الهند في سبتمبر 2003، وهي أول زيارة من نوعها يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلي أثناء تقلده لمنصبه. وأشارت الإثارة التي أحاطت بهذه الزيادة وإمكانيات التطور المستقبلية للعلاقات الهندية ـ الإسرائيلية لحدوث تغيرات للعلاقة بين البلدين. وبالمقارنة الواضحة مع العلاقات الأمنية عبر القنوات الخفية التي سادت حتى من قبل تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين, يبدو أن الهند أكثر رغبة الآن في صياغة علاقات نفع متبادلة مع إسرائيل وعلى نحو علني، لما في ذلك من تعميق للروابط العسكرية ومجابهة التهديد الذي يشكله الإرهاب على الدولتين.
و يمكن لعلاقة هندية ـ إسرائيلية مزدهرة أن يكون لها أثر بارز في السياسة الدولية من خلال تغيير ميزان القوة، ليس في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط في الإقليم الآسيوي الأكبر الذي يشهد حالة من التحولات في السنوات الماضية. بيد أنه وعلى الرغم من تقارب المصالح بشأن العديد من المسائل بين الهند وإسرائيل, يجب إدارة مثل هذه العلاقة الثنائية بعناية، وذلك بسبب جملة من العقبات التي تحدّ من تلك العلاقة. وتبحث هذه الدراسة في العوامل التي تساهم في تقارب الدولتين على نحو أكبر وفي القيود التي قد تجعل من الصعوبة بمكان لهذه العلاقة أن تحقق التطور والنجاح. فقد تم أولاً وبصورة مختصرة دراسة الأسس التاريخية للعلاقات الهندية ـ الإسرائيلية. وتلي ذلك تحليل لتقارب المصالح الهندية ـ الإسرائيلية بشأن بعض المسائل الهامة، مع الإشارة بصورة خاصة إلى موضوع مواجهة الإرهاب والعلاقات المتنامية في مجال الدفاع. وأخيراً، تم بحث القيود والمعوقات التي تُدار في إطارها هذه العلاقات. الخلفية التاريخية أعلنت الهند اعترافها بدولة إسرائيل في عام 1950، أي بعد مرور عامين من إنشائها في عام 1948، ولكن لم يتم تبادل العلاقات الدبلوماسية إلا في عام 1992 1, ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى دعم الهند وتعاطفها مع القضية الفلسطينية. لقد كانت الهند إحدى الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز(NAM) Non-Alignment Movement ، والتي كانت تدعم بقوة النضال ضد الاستعمار في أرجاء العالم، مما يعني دعمها أيضاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأصبحت الهند إحدى الدول غير العربية التي اعترفت بالاستقلال الفلسطيني كما كانت في طليعة الدول التي سمحت بافتتاح سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية في عاصمتها. وكان الموقف الهندي المعادي لإسرائيل يمثل أيضاً جزءً من استراتيجية دبلوماسية هندية أكبر تحاول من خلالها الهند مواجهة النفوذ الباكستاني في العالم العربي ولضمان انسياب وارداتها النفطية من الدول العربية. كما ضمنت هذه الاستراتيجية تأمين الوظائف لآلاف الهنود في منطقة الخليج، الأمر الذي ساعد الهند على الاكتفاء في مجال الاحتياطي من العملات الصعبة. وإلى جانب ذلك، نجد أن كلاً من الهند وإسرائيل تبنتا مواقف متضادة خلال الحرب الباردة، إذ حظيت إسرائيل بدعم قوي من جانب الولايات المتحدة، بينما تعاطفت الهند مع الاتحاد السوفييتي. كما اتخذ حزب المؤتمر الهندي ـ الذي يعتبر القوة المسيطرة على المسرح السياسي الهندي منذ استقلال الهند في عام 1947 ـ موقفاً معارضاً إلى حد كبير لإسرائيل، باعتبارها دولة مثل باكستان تقوم على أساس ديني. وقد أدى ذلك إلى تعويق نمو الروابط الهندية ـ الإسرائيلية مباشرة عقب استقلال الهند. وعلى الرغم من ذلك يُلاحظ أن الهند وإسرائيل عملتا للتعاون معاً بشان العديد من المواضيع، وخصوصاً التعاون الوثيق بين جهاز المخابرات الهندي (جناح الأبحاث والتحليل-Research and Analysis Wing-RAW) وجهاز المخابرات ـ الموساد ـ في إسرائيل. وكان هذا التعاون نتاجاً لاتفاقية تعاون سرية بين البلدين في المجال الأمني والاستخبارات والمعدات العسكرية. وفي معظم الصراعات الرئيسية التي واجهتها الهند، لم تتردد إسرائيل قط في اتخاذ مواقف مدافعة عن الهند وبصورة علنية وقوية. وبينما حصلت الهند على مساعدة ودعم ضمني إسرائيلي خلال حربها مع الصين في عام 1962, وحربها مع باكستان في عام 1965، نجد أن علاقاتها مع إسرائيل شهدت تدهوراً في مطلع سبعينيات القرن الماضي مع تفاقم النـزاع العربي ـ الإسرائيلي في أعقاب حرب عام 1967. ومن المهم ملاحظة أن اليهود كانوا يشكلون جزءاً من سكان الهند لمدة تزيد على ألفين عام. وكان أكثر ما ميز تجربة اليهود الهنود هو غياب تعرضهم للتفرقة من قبل الأغلبية السكانية التي استضافتهم. لقد عاش اليهود في الهند من دون التعرض لأي اضطهاد ديني، وكان ذلك محل تقدير كبير من جانب إسرائيل. وعلى الرغم من أن عدد الجالية اليهودية في الهند قد قدر بنحو ستة آلاف شخص ـ عقب هجرة ما يفوق خمسة وعشرين ألف يهودي إلى إسرائيل ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي ـ فإن مساهماتهم في الهند كانت كبيرة2. وأجبرت الهند عقب نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي على إعادة توجيه سياستها الخارجية لتستوعب المتغيرات في البيئة الدولية. كما شرعت الهند أيضاً في تبني نهج التحرير الاقتصادي، الأمر الذي أجبرها على فتح أسواقها أمام الدول الأخرى. وكان عام 1993 هو الذي شهد فيه اعتراف الهند بإسرائيل، وأدى ذلك إلى تبادل فتح السفارات في البلدين منذ ذلك الوقت اكتسبت العلاقات الثنائية بين البلدين فاعلية جديدة وتطوراً ايجابياً بارزاً. ولكن وعلى الرغم من تكثيف التبادلات بين البلدين في مختلِف المجالات فإن الارتباط بين البدلين بوجه عام ظل وبصورة متعمدة خارج نطاق العلنية. واعتبر مثل هذا الأسلوب أمراً ضرورياً لعزل مصالح الهند الأخرى في الشرق الأوسط من تأثير العداء العربي لإسرائيل. وفي هذا السياق، فإن زيارة ارييل شارون للهند في شهر سبتمبر 2003 كانت علاقة فارقة أوضحت للعالم بكل جلاء أن الهند لم يعد لديها أي تحفظ حيال علاقتها المزدهرة مع إسرائيل. لقد نشأ شعور بالقلق بأن من شان التغيرات الأخيرة التي طالت الحكم في الهند، والتي انتقلت خلالها السلطة من التحالف الوطني الديمقراطي بقيادة حزب جاناتا بهارتيا، وهو الحزب الهندوسي الوطني إلى التحالف التقدمي الوطني بقيادة حزب المؤتمر, أن يكون لها تأثير ضار بالنسبة للروابط الهندية ـ الإسرائيلية. ولكن حتى الآن يبدو أن هذه العلاقات تسير في مسارها الصحيح, إذ أبدت الحكومة الجديدة عزمها على المضي قدماً على طريق تعزيز وتقوية العلاقات مع إسرائيل. فقد أجريت في شهر نوفمبر 1999 أول مشاورات على مستوى وزارة الخارجية في كلا البلدين منذ تسلم الحكومة الجديدة السلطة, إذ قام الجانبان بتقييم علاقاتهما الثنائية وناقشا مختلِف المواضيع الإقليمية ومتعددة الأطراف. وعقب ذلك مباشرة، عقدت مجموعة العمل الهندية ـ الإسرائيلية المشتركة لمحاربة الإرهاب اجتماعاً في نيودلهي، حيث اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في المنتديات متعددة الأطراف وتوسيع نطاق تفاعلهما. وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللجنة قد تم إنشاؤها في عام 2000 لتعزيز التعاون بين الدولتين في مجال محاربة الإرهاب. تقارب المصالح وعندما حظي ارييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال زيارته التي قام بها للهند في سبتمبر 2003 بترحيب رسمي حار, أجبر العالم على اكتشاف كيف نمت العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل بصورة مثيرة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. وجرت محاولة لإثبات أن قائمة الأعداء المحتملين( والحاليين بالفعل) للهند" تضم دولاً ومنظمات قد تمثل تهديداً لإسرائيل في المستقبل أو من المحتمل أن تتحالف مع أعداء إسرائيل في أي نزاع مستقبلي"3. وعلى الرغم من تميز الروابط بأوجهها المتعددة، فإن مخاطر وتهديدات الإرهاب الذي ضرب كلا البلدين والعلاقات الدفاعية المتنامية بينهما شكلا القوة الدافعة لهذه العلاقات، وبالإضافة إلى ذلك، نجد أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية وما تبعهما من أحداث جعلت البلدين يدركان أهمية التعاون فيما بينهما على نطاق أوسع من أجل مواجهة الإرهاب.
محاربة الإرهاب إن محاربة الإرهاب من القضايا الرئيسية التي تمثل تحدياً لكل من الهند وإسرائيل. فكلا البلدين ينتهج النظام الديمقراطي والتعددي وبهما أقليات محلية إسلامية وتواجهان كارثة الإرهاب الإسلامي الذي ترعاه الدول المجاورة لهما. وقد أدى هذا المأزق المشترك أن يتفهم كل منهما مشاعر القلق التي تنتاب الآخر 4. وفي إطار هذا السياق، قدم مستشار الأمن القومي الهندي براجيش ميشرا (Brajesh Mishra) في خطاب أمام اللجنة اليهودية الأمريكية (American Jewish Committee) في مايو 2003 بواشنطون اقتراحاً بأن توحد الهند وإسرائيل والولايات المتحدة جهودها لمحاربة التهديد المشترك والمتمثل في الأصولية الإسلامية. وقال إنه يجب على الدول الديمقراطية التي تواجه خطر الإرهاب العالمي تشكيل "تحالف قابل للتطبيق" وتطوير آليات متعددة الأطراف لمجابهة هذا التهديد 5. وقد أيدت إسرائيل هذا التوجه، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بقولها إن محوراً شفهياً ومعنوياً يضمها بمعية الهند والولايات المتحدة قد تم تشكيله من أجل محاربة الإرهاب الدولي ولجعل العالم أكثر أماناً 6. وعلى الرغم من عدم وجود محاولة لإقامة تحالف واضح يضم هذه الدول الثلاث 7, فإن الهند وإسرائيل قد بدأتا بكل تأكيد التعاون بصورة أوثق في مجال مكافحة الإرهاب. وقد وجدت الهند أنه من المفيد لها أن تتعلم من تجربة إسرائيل في التعامل مع الإرهاب نظراً لأنها ـ أي إسرائيل ـ قد عانت طويلاً من العمليات الإرهابية عبر الحدود. ولا يأتي هذا الإرهاب الذي تواجهه كل من الهند وإسرائيل فقط من المجموعات المتمردة داخل أراضيهما بل تحرض عليه وتساعده الدول المجاورة، والتي تحكم أغلبها أنظمة غير ديمقراطية لها قدرة متزايدة على تحويل أسلحة الدمار الشامل إلى المنظمات الإرهابية. فقد استغلت دول مثل باكستان في جنوب آسيا أو إيران وسوريا في منطقة الشرق الأوسط ولفترة طويلة الإرهاب كإحدى أدوات سياستها الخارجية. لذلك، فهناك العديد من أوجه الشبه الهيكلية البارزة في نوعية التهديدات الإرهابية التي تواجهها كل من الهند وإسرائيل. ومن المهم أيضاً ملاحظة أن رجال الدين المتطرفين عندما يدعون تابعيهم إلى حمل السلاح دعماً للجهاد فإن مواعظهم ونصائحهم ترتكز دائماً على تحقيق التحرير الكامل لأرض فلسطين وكشمير وعلى تدمير الولايات المتحدة الأمريكية. إن إدراك هذه الحقيقة أدت إلى حدوث تقارب أكثر بين الدولتين، حيث أصبحت الهند أول صديق حميم لإسرائيل من جانبها الشرقي، بينما أصبحت إسرائيل أول صديق حميم للهند من جهتها الغربية. وترى إسرائيل ـ التي واجهت عزلة نسبية على امتداد العالم ـ في الهند كمرتكزها الاستراتيجي في آسيا 8 . ومن جهة أخرى، تأمل إسرائيل أيضاً من خلال تقاربها مع دولة كالهند تضم عدداً كبيراً من السكان المسلمين ـ ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان المسلمين ـ أن يساعد ذلك على إضعاف أهمية المكون الديني في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويُعتبر كلا البلدين بمثابة جزر استقرار في إقليم مضطرب يمتد من شمال إفريقيا إلى جبال الهملايا الذي يعتقد البعض أنه يجب أن يُنظر اليه كمنطقة إستراتيجية واحدة 9. إن محاولة كل طرف الاستقواء بالقدرات الاحتياطيات الداخلية لكل طرف هو أمر طبيعي بالنسبة للهند وإسرائيل اللتين تسعيان إلى تحقيق الأمن ومحاربة الإرهاب. ونتيجة لذلك، برز تفاهم أساسي بين الهند وإسرائيل، مفاده أنه وعلى الرغم من حقيقة اختلاف الظروف المحيطة بطبيعة الإرهاب الذي تواجهه كل منهما, فلن يكون هناك أي تساهل مع الإرهاب. فقد أدان الإعلان الذي جرى توقيعه خلال زيارة شارون للهند, أدان الأفراد والدول التي ساعدت وحرضت على الإرهاب عبر الحدود، والتي آوت ووفرت الملجأ للإرهابيين، إضافة إلى تقديمها للدعم المادي والتدريب والحماية. وترى الهند في إسرائيل مصدراً لتوفير التدريب لكوادرها لمكافحة الإرهاب، ويتوافق ذلك مع الرغبة الإسرائيلية في تقديم الدعم المادي المعنوي للهند في هذا المجال 10. ولم يقتصر التعاون بين الهند وإسرائيل على تبادل المعلومات الاستخبارية الهامة بشأن المجموعات الإسلامية الإرهابية، بل نجد أن إسرائيل تقدم مساعدتها للهند في مجال محاربة الإرهاب في كشمير من خلال توفير الدعم اللوجستي الهام مثل أجهزة المراقبة المتخصصة والتعاون في جمع المعلومات الاستخبارية والتدريبات المشتركة والتعاون لمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد يكون مستوى التعاون الاستخباري بين الهند وإسرائيل أكثر كثافة من التعاون بين الهند والولايات المتحدة. فالتكتيكات التي يستخدمها جيش الدفاع الإسرائيلي في حرب العصابات والمدن التي يخوضها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن أن تتبناها قوات الأمن الهندية وبنجاح في مواجهة التمرد. وقد أثبتت هذه التكتيكات جدواها عندما استخدمتها القوات الأمريكية في العراق التي كان يتعين عليها تعلم استراتيجية جيش الدفاع الإسرائيلي في مجال حرب المدن من أجل التعامل مع التمرد المتنامي في العراق11.
وكانت التجربة الإسرائيلية الطويلة في مجال تدريب وتجهيز وتشغيل نخبة الوحدات السرية المنتشرة في القرى والمدن الفلسطينية لجمع المعلومات الاستخباراية وتحديد الأهداف ومقاتلة المسلحين, مفيدة لقوات الأمن الهندية التي تواجه ظروفاً مشابهة في كشمير وفي المنطقة الشمالية الشرقية. وتشمل المجالات الأخرى التي يمكن الاستفادة من خلالها من الخبرة الإسرائيلية التكتيكات التي تهدف إلي تقليل مخاطر الكمائن واستخدام وحدات المشاة والكوماندوز في البحث وتدمير المخابئ العسكرية والقدرات الإرهابية لصنع القنابل واستخدام الكلاب وأجهزة الإنسان الآلي وتوفير تدريب خاص لخبراء الألغام للكشف عن الألغام المزروعة على جوانب الطرق الخارجية. وقررت الهند وإسرائيل مباشرة عقب زيارة شارون للهند إجراء تدريبات عسكرية مشتركة لقواتهما الخاصة من أجل تعزيز تعاون البلدين في مجال الدفاع12. ويُعتبر التدريب المشترك للقوات الخاصة خطوة منطقية متقدمة، لأنها تتيح لكل قوة من هذه القوات إظهار مهاراتها المميزة التي اكتسبتها في إطار القوى المحركة للنـزاع الإقليمي المعني، الأمر الذي يؤدي إلى تكامل وتعزيز القدرات العسكرية لكل دولة. ويُتوقع أن تقوم إسرائيل بتدريب الجنود الهنود على مهارات الهجمات المتخصصة ضد المتمردين، هذا بالإضافة إلى التدريبات في الصحراء والجبال والغابات والتدريبات المضادة للاختطاف وأزمات حجز الرهائن. وتحتاج الهند بصورة رئيسية إلى هذا النوع من التدريبات لمعالجة المشاكل الناجمة عن تسلل المقاتلين عبر الحدود من باكستان إلى كشمير ولحماية الولايات الشمالية الشرقية في الهند من عمليات التسلل المشابهة من دول الجوار. وقامت الهند أيضاً بشراء البنادق الهجومية من طراز تافور(Tavor) والبنادق القناصة من طراز جليل(Galil) وأجهزة الرؤية الليلية والاستكشاف والاستهداف باستخدام تقنية الليزر من أجل تحسين قدرات قواتها لمواجهة عمليات التمرد. كما أبدت الهند اهتماماً بالأجهزة المضادة للتسلل التي تستخدمها إسرائيل في مرتفعات الجولان وصحراء النقب. التعاون في مجال الدفاع
يمثل التعاون في مجال الدفاع مركز الثقل في العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل، حيث برزت الهند كأكبر سوق للسلاح الإسرائيلي، وحلت بذلك محل تركيا بينما أصبحت إسرائيل أكبر موردي السلاح للهند. ومع نهاية الحرب الباردة تناقص إغراء سوق السلاح الروسي بالنسبة للهند بسبب قدم طراز السلاح الروسي. وإالى جانب ذلك ومع تخصص إسرائيل في تحديث المعدات الروسية فإنها قد برزت كمصدر بديل للحصول على معدات الدفاع عالية التقنية خصوصاً أن الهند قد قررت تنويع مشترياتها من أجهزة الدفاع. ومن الجانب الآخر، نجد أن إسرائيل ومن خلال مساعدة الجيش الهندي, عمدت أن تصبح المصدر الرئيسي لسوق السلاح الهندي الذي يتميز بكبر حجمه وبعائده المالي المجزي. فإلى جانب الضرر الذي أصاب الاقتصاد الإسرائيلي العام بسبب النـزاع مع الفلسطينيين, فإن صناعة الدفاع الإسرائيلية ظلت تعتمد دائماً على الصادرات لتصل إلى وضع بحيث يمكنها إنتاج ما يكفي ليجعلها قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية. وفي واقع الأمر ومن خلال سعيها الحثيث إلى البحث عن أسواق جديدة لمنتوجاتها الدفاعية, برزت إسرائيل في عام 2003 كأكبر خامس مصدر للسلاح في العالم13. وفي هذا السياق، نجد أن العلاقات المتنامية بين إسرائيل والهند في مجال الدفاع قد قطعت شوطاً طويلاً في اتجاه دعم صناعة الدفاع المحلية الخاصة بها، وهو أمر يعزز بدوره وبصورة بارزة الاقتصاد الإسرائيلي على وجه العموم. ونتيجة لذلك، فقد وصلت الشراكة الدفاعية بين الهند وإسرائيل إلى الحد الأدنى المطلوب في السنوات الماضية14. فبفضل الاستثمارات الضخمة في مجال الأبحاث والتطوير، تحتل أنظمة الأسلحة الإسرائيلية بالمقارنة مع المنتجات الأمريكية والأوروبية موقع الصدارة في المجالات المختلفة لسوق السلاح الدولية. ويعود ذلك أساساً إلى أن صناعة الدفاع عالية التقنية تُعد من الأمور الهامة للأمن القومي الإسرائيلي. ويعكس نطاق صناعة الدفاع الإسرائيلية الوضع الجيوسياسي المحفوف بالمخاطر لدولة يبلغ تعدادها نحو ستة ملايين نسمة ويحيط بها عالم عربي معادٍ يفوقها مساحة بأضعاف كثيرة. وعلى الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة فإن الاعتماد على الذات يشكل الفكرة المقدسة التي اتبعتها إسرائيل إلى حد الإتقان تقريباً. كما تبنت إسرائيل موقفاً واقعياً في ما يتعلق بمبيعات الأسلحة إلى الهند عكس موقف الدول المتطورة الأخرى التي نظرت لمبيعات الأسلحة إلي إسرائيل من منظور توازن القوى في جنوب آسيا. وقد كانت إسرائيل ترغب في الاستمرار، بل في مضاعفة مبيعاتها من الأسلحة إلي الهند بعدما قيدت بعض الدول الرئيسية الأخرى صادراتها التقنية إلى الهند في أعقاب قيام الهند بتجاربها النووية في مايو 1998. ولم يحد التعاون الهندي ـ الإسرائيلي أي حدود خلال السنوات الماضية، إذ غطى مجالات تمتد من الأنظمة المضادة للصواريخ إلى أجهزة الرادار عالية التقنية ومن المركبات الجوية غير المأهولة إلي أجهزة الرؤية الليلية15. ومن المحتمل أن توفر إسرائيل جزءاً كبيراً من الأجهزة والمعدات المستوردة لتحديث كتائب الجيش الهندي، والتي تشكل جزءاً من استثمار تبلغ قيمته 3.290 كرور روبية (أي ما يفوق سبعمائة مليون دولار أمريكي). وستأخذ إسرائيل أيضاً في اعتبارها خطة الهند الرامية إلى تعزيز قدراتها في مجال القوة النارية المدمرة ومضادات القنابل المموهة والاتصالات. وفي صيف عام 2004، تقدمت إسرائيل بعرض لتحديث الطائرة المقاتلة لسلاح الجو الهندي من طراز (Mig-27) والتحديث الالكتروني للطائرات العمودية المضادة للغواصات من طراز(K4-25) التابعة لسلاح البحرية الهندي وطائرات الدوريات البحرية. وكانت شركة سولتام(Soltam) وهي من المنافسين الثلاثة لصفقة تبلغ قيمتها 500 كرور روبية(أكثر من مليار دولار) لشراء ما يقرب من ألف مدفع طراز هويتزر(Howitzer) وهي صفقة ما زال الجيش الهندي يقوم بتقييمها. وتتعاون أيضاً الهند وإسرائيل على تحديث الطائرات طراز (Mig-21 Bison) والدبابات طراز(T-72) وهي صناعة روسية وذلك من اجل جعل الدبابات على وجه الخصوص قادرة على القيام بالعمليات الليلية. كما أبدت الهند اهتمامها بالحصول على مركبات جوية غير مأهولة حيث ما زالت تجري مفاوضات مع إسرائيل بشأن الإنتاج المشترك لطائرة هيرونز(Herons) التي تطير على ارتفاعات عالية. ويسعى سلاح الطيران الهندي للحصول على صواريخ هاربي(Harpy) الإسرائيلية التي تستخدم في تعطيل رادارات العدو، والتي ستؤدي إلى مضاعفة قدرات هذا السلاح. وشملت الأسلحة التي عبّر سلاح الطيران الهندي مؤخراً عن رغبته الصادقة على امتلاكها القنابل من طراز دليلة ـ 2 (Delilah- II) ومن طراز كريستال ميز (Crystal Maze) وبيشورا – 3(Pechora - III) وصواريخ أرض ـ جو وصواريخ بوباي (Popeye)، وهي صواريخ جو- جو تعمل فيما وراء مدى الرؤية. وكانت الولايات المتحدة قد قدمت موافقتها النهائية بان تقوم إسرائيل بتزويد الهند بأنظمة الإنذار والسيطرة الجوية" أواكس" Airborne Warning and Controlling Systems- AWACS، وذلك بعد أن كانت مترددة في الأول من أن يؤثر بيع هذه الأنظمة للهند في ميزان الأسلحة التقليدية بين الهند وباكستان. ويستلزم مشروع أواكس الخاص بالهند تحقيق التكامل بين عمل الرادار من طراز فالكون Phalcon وأنظمة الاتصال وطائرة النقل الجوى الثقيل الروسية من طراز اليوشن -76 Ilyushin- 76 16. ويتوقع أن يتم تسليم أول خمسة أنظمة من نظام أواكس بحلول عام 2007. وتجري أيضاً مناقشات بين الهند وإسرائيل حالياً بشأن احتمال بيع نظام دفاع مضاد للصواريخ الباليستية آرو- 2(Arrow- II) للهند التي ترغب في تعزيز قدراتها الدفاعية الجوية. وعلى الرغم من أن إسرائيل لديها الرغبة الأكيدة لبيع هذا النظام فإنها في حاجة إلى الحصول على موافقة الولايات المتحدة التي تشارك في المشروع. وكانت الهند قد تحصلت من إسرائيل على أجهزة رادار التحكم في النيران المتطورة والمعروفة باسم لصنوبر الأخضر Green Pine، وهي عبارة عن أجهزة قابلة للنقل تشكل مكوناً هاماً لنظام آرو Arrow وبإمكانها اكتشاف ومتابعة الصواريخ القادمة من مسافة تبعد لغاية خمسمائة كيلومتر. وذكر أيضاً أن إسرائيل بإمكانها الحصول على عنصر ميزة العمق الاستراتيجي (وهو أمر هام لدولة صغيرة جغرافياً مثل إسرائيل)، وذلك من خلال إقامة قواعد لوجستية في المحيط الهندي لقواتها البحرية17. ويُعتبر التعاون مع القوات البحرية الهندية أمراً حيوياً لمثل هذا المشروع، ويمكن تحقيقه من خلال وسائل متعددة. وتخطط القوات البحرية الهندية للحصول على نحو عشرة أنظمة إضافية من أنظمة الدفاع الإسرائيلية المضادة للصواريخ المعروفة باسم باراك Barak علماً أن الهند كانت قد اشترت سبعة من هذه الأنظمة لسفنها الحربية الرئيسية. وسيتيح ذلك للهند الحصول على نظام دفاع محكم ضد الصواريخ من طراز هاربون Harpoon واكسوسيت Exocet المتوفرة لدى باكستان. وإلى جانب ذلك، اعتمدت الهند شراء أنظمة حربية الكترونية لسفنها من إسرائيل بقيمة سبعة وتسعين مليون دولار كما قررت إقامة مشاريع مشتركة مع إسرائيل في مجال الحرب الالكترونية. ويمكن لكل من الهند وإسرائيل أن تكملا كل منهما قدرات الأخرى بصورة متقنة في هذا المجال، خصوصاً أن إسرائيل تمتلك قدرات أجهزة الاستشعار والتغليف بينما تتوفر للهند قدرات الأجهزة الجيروسكوبية المصنوعة من الألياف البصرية والأنظمة الكهروميكانيكية الدقيقة18.
وحظيت محاولات الهند لتقوية دفاعاتها التقليدية من أجل مواجهة خصومها الذين يمتلكون الأسلحة النووية (باكستان) بدعم كبير وفرته لها الأسلحة الإسرائيلية التي شملت الصواريخ أرض ـ جو وتقنيات الكترونيات الطيران وأجهزة الاستشعار الحديثة لمراقبة الاختراقات الحدودية والمركبات الجوية المأهولة عن بعد وأسلحة المدفعية. ومن المفيد أن نلاحظ أن إسرائيل كانت قد أرسلت صواريخ موجهة بالليزر إلى الهند خلال حرب كارغيل Kargil بين الهند وباكستان في عام 1999, مما ممكَّن الطائرات الهندية من طراز ميراج من تحطيم المخابئ الباكستانية في الجبال. وكذلك وعندما كانت الهند تخطط للقيام بضربة عسكرية محدودة ضد باكستان في شهر يونيو 2002 كجزء من عملية باراكرام Parakram Operation, قامت إسرائيل بتزويدها بعتاد حربي عبر طائرات خاصة، وكان ذلك عقب زيارة قام بها مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلي للهند19. وعرضت إسرائيل أثناء زيارة شارون للهند موضوع تطوير أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية. فالهند أيضاً قلقة بشأن الترسانة النووية الباكستانية وبخاصة في ما يتعلق بالسيطرة والتحكم بها، حيث إن الجيش الباكستاني لا يتحكم فقط بأسلحة البلاد النووية بصورة مطلقة، بل يُعتبر أيضاً متعاطفاً مع المتطرفين الإسلاميين. كما نجد أيضاً أن إسرائيل قلقة بشأن انتشار الصواريخ في المناطق المجاورة لها وبشأن إمكانية تحول السلاح النووي الباكستاني إلى "قنبلة إسلامية". ويمكن أن تتمثل أحد التأثيرات المباشرة للعلاقات الدفاعية الوثيقة بين الهند وإسرائيل في القلق والتخوف الباكستاني من الميل المتسارع إلى التوازن الاستراتيجي في شبه القارة الهندية ضدها, أي ضد باكستان التي وجدت صعوبة في أن تضاهي قدراتها العسكرية قدرات الأسلحة التقليدية الإسرائيلية الهندية مجتمعة20. ونجد أن باكستان قلقة على وجه الخصوص من بيع الأنظمة المضادة للصواريخ من طراز آرو Arrow، والتي من شانها تحييد جزء من الترسانة النووية الباكستانية، وذلك من خلال التأثير وبصورة خطيرة في قدراتها في مجال الصواريخ البالستية. وسيمنح نظام فالكون Phalcon للإنذار المبكر الهند القدرة على المراقبة في عمق الأراضي الباكستانية، الأمر الذي سيؤدي إلي صعوبة حركة الطائرات الباكستانية وسهولة اكتشافها. وستوفر أنظمة باراك Barak المضادة للصواريخ الحماية لسفن البحرية الهندية من الصواريخ الباكستانية، مما يعطي البحرية الهندية قدرات كبيرة في مواجهة باكستان. وبفعل القلق من حالة انعدام التوازن المتفاقمة في مجال الأسلحة التقليدية بينها وبين الهند, طلبت باكستان من الولايات المتحدة تزويدها بنظام أواكس والموافقة على شرائها لطائرات" اف- ام 16" من بلجيكا، ولكن هذه الجهود لم تحقق نجاحاً يُذكر حتى الآن21. وأشارت باكستان إلى أنها تعيد النظر في سياستها الخاصة بعدم الاعتراف بإسرائيل، وذلك بهدف مجابهة العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية المتنامية22. ولكن لم يتحقق نجاح كبير على هذه الجبهة. ولكن النظر إلي النفقات الدفاعية الهندية كأنها موجهة بصورة رئيسية إلى باكستان قد ينطوي على مغالطة. فالهند لديها تطلعات أكبر لكي تصبح قوة سياسية وعسكرية عالمية. وستساعد الأسلحة الإسرائيلية المتطورة الهند على إعادة هيكلة قواتها المسلحة من أجل تلبية متطلباتها الدفاعية خلال القرن الحادي والعشرين. وقد تواصل التعاون الدفاعي بين الهند وإسرائيل حتى بعد حدوث التغيير الحكومي في الهند. ومنذ تسلم الحكومة الجديدة السلطة في مايو 2004، قام كل من قائد الجيش الهندي وقادة أسلحة الجو والبحرية بزيارة إسرائيل. وتبعت هذه الزيارات زيارة قام بها وفد رفيع المستوى من مسؤولي وزارة الدفاع الإسرائيلية وكبار المسؤولين من العديد من شركات تصنيع الأسلحة الرئيسية. وعلى الرغم من تخوف بعض الدوائر الإسرائيلية بأن التعاون الدفاعي قد يتأثر بصورة عكسية تحت ظل الحكومة الهندية الجديدة, فإن وزير الدفاع الجديد قد أوضح بجلاء أنه لن يكون هناك أي تغيير في العلاقات الدفاعية الحالية بين الهند وإسرائيل 23.
مجالات التعاون الأخرى
على الرغم من أن التعاون في مجال الدفاع ومحاربة الإرهاب قد دفع بالعلاقات الهندية ـ الإسرائيلية إلي مستويات أوثق, فإن الدولتين بذلتا محاولات ملموسة لتنويع هذه العلاقات. إن بروز الهند وإسرائيل كدول صناعيتين ومتطورتين تقنياً يجعل من تعاونهما في مجالات كبيرة أمراً ذا جدوى ومفيداً لكلتيهما. لقد ازداد حجم التجارة الهندية مع إسرائيل إلى ستة أضعاف خلال العقد الماضي، إذ أصبحت الهند ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا في مجال السلع الخدمات غير العسكرية. وقد ارتفعت قيمة التعاملات التجارية الهندية غير العسكرية مع إسرائيل من 202 مليون دولار في عام 1992 إلى 1.27 بليون دولار في عام 2002، وهو حجم ما زال لا يتناسب مع الاحتمالات الضخمة لمثل هذه التعاملات التجارية24. ونجد أن منتوجاً واحداً وهو الألماس يمثل نسبة 65% تقريباً من حجم التجارة بين البلدين. وأصطحب ارييل شارون خلال زيارته للهند وفداً كبيراً يضم نحو ثلاثين من رجال الأعمال النافذين والتواقين للفوز بعقود وفتح أسواق جديدة في الهند. وهذا يعطي دليلاً على التزام إسرائيل بتكثيف علاقاتها التجارية والاقتصادية مع الهند. ومن جانبه، قابل رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ Manmohan Singh كبار زعماء الجالية اليهودية الأمريكية عندما قام بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في شهر سبتمبر 2004 وأشاد بمساهمتهم في تعزيز الصداقات الهندية ـ الأمريكية والهندية ـ الإسرائيلية. وتتمتع المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات وطيدة مع الجالية الهندية الأمريكية وبذلت جميعها مجهودات مجدية في صياغة الروابط الهندية ـ الإسرائيلية25. وقامت كل من الهند وإسرائيل بتحديد مجالات جديدة للتعاون تشمل القطاع الزراعي والأبحاث الزراعية والعلوم والصحة العامة وتقنية المعلومات والاتصالات والتعاون في مجال الفضاء. وقررت الدولتان إنشاء لجنة اقتصادية لتحديد إجراءات وتدابير جديدة من أجل تحفيز التجارة كما قررتا إنشاء لجنة زراعية مشتركة لتحقيق تعاون أكبر في هذا القطاع. وتحرص الصناعة الإسرائيلية على الاستفادة من مجالات التعاون مع الهند في مختلِف المجالات مثل الاتصالات وتقنية المعلومات والتقنية الحيوية. وقد تم إنشاء ملتقى لرجال الأعمال الهنود والإسرائيليين يضم مجموعة من كبار مسؤولي قطاع الأعمال بالبلدين لدراسة القضايا الاقتصادية والتجارية والتشاور بشأنها. وعرضت إسرائيل مساعدتها للهند في تمويل رأس مال مخاطر لمشاريع اتصالات وتقنية معلومات وتقنيات زراعية متطورة وهندسة الفضاء. وعلي مستوي القطاع الزراعي، وضعت الدولتان في الاعتبار التعاون في مجالات مثل التشجير في المناطق الجافة, والتصحر والتلوث وصيانة المياه وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي وتقنيات التحكم في التلوث قليلة التكلفة وطرق المراقبة البيئية. وتأمل الشركات الهندية أيضاً في بيع مزيد من المنتجات الكيميائية والصيدلانية في إسرائيل، كما تأمل في إقامة مشاريع مشتركة هناك حتى تضمن أن تتوفر لها فرصة لوصول أفضل إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، والتي تقيم اتفاقيات للتجارة الحرة مع إسرائيل. وتوفر الاتفاقيات المختلفة التي تم توقيعها خلال زيارة شارون للهند لمحة عريضة لنطاق العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية. فقد غطت الست الاتفاقيات مجالات البيئة والصحة ومحاربة التجارة غير المشروعة للمخدرات وإلغاء التأشيرات لموظفي السلك الدبلوماسي وحملة الجوازات الرسمية والتعليم وتبادل البرامج التعليمية والثقافية26. وبالنظر إلى القاعدة العلمية والتقنية القوية التي تتمتع بها الهند، نجد أن إسرائيل تحرص على تقوية الروابط مع الهند في المجال العلمي والتقني27. فكلا البلدين يخططا لمضاعفة الاستثمار في ظل التعاون العلمي والتقني المستمر من مستوى نصف مليون دولار في عام 2003 إلى نحو مليون دولار بحلول عام 2005. وأبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بالتعاون مع العلماء الهنود في مجال بحوث تحسين إدارة الأراضي والموارد الأخرى باستخدام الأقمار الاصطناعية. وقد أظهرت الهند اهتماماً واضحاً بمجال تقنية النانو إلى وهي تقنية وصل تطويرها مرحلة متقدمة في إسرائيل. وستقوم إسرائيل أيضاً بتركيب ثلاثة من أجهزة التليسكوب واسعة النطاق التي تعمل بتقنية الأشعة فوق البنفسجية على القمر الصناعي الهندي (GSAT- 4)، والذي سيتم إطلاقه في عام 2005. وقرر البلدان إقامة صندوق مشترك للأبحاث والتطوير بهدف ترقية التعاون والتجارة المرتكزة على التقانة، الأمر الذي سيساعدهما على الوصول معاً إلى الأسواق العالمية. لقد أقام البلدان خلال فترة قصيرة نسبياً تبلغ أحد عشر عاماً من العلاقات الدبلوماسية الرسمية, شراكة فاعلة. ففي الوقت الذي تسعي فيه الهند إلى تقوية أجهزتها الدفاعية والأمنية كنتيجة لهذه الشراكة, تحصل إسرائيل على موقع قدم داخل أكبر دولة ديمقراطية في العالم تتمتع بسوق وتُعتبر أحد اللاعبين الاستراتيجيين في المنطقة.
القيود والمعوقات
على الرغم من التقارب البارز للمصالح بين الهند وإسرائيل بشأن العديد من القضايا, تظل هناك قيود يتعين على البلدين أن يرسما في إطار علاقاتهما الثنائية. القضية الفلسطينية وتبرز أهم هذه القيود من الوسط السياسي المحلي الهندي. فالهند لا يمكنها أن تتجاهل مشاعر العدد الكبير لمواطنيها المسلمين الذين يصل عددهم إلى نحو مائة وأربعين مليون مسلم، والذين يقفون بصورة ساحقة ضد السياسة الإسرائيلية تُجاه الفلسطينيين, لقد كانت الخشية من تنفير المواطنين المسلمين في الهند أحد العوامل الرئيسية التي منعت الهند من تطبيع علاقاتها مع إسرائيل لعقود من الزمن. كما كانت الهند داعماً قوياً لحق تقرير المصير الفلسطيني. ومع أن هناك أحزاباً يسارية ومنظمات إسلامية قليلة عبرت عن رفضها الصريح لزيارة ارييل شارون للهند, ظلت القضية الفلسطينية تحظي بالشعبية في الهند28. فحكومة الهند، ترحب بشارون, أوضحت بجلاء أنها لن تقلل من مناصرتها للقضية الفلسطينية، ولن تتخلى عن اعترافها بياسر عرفات كزعيم للوطنية الفلسطينية يتمتع بدور مركزي في عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط, وهي وجهة نظر تخالف تماماً رأي حكومة شارون التي كانت تحبذ طرد عرفات وبالتالي إتاحة الفرصة إلى ظهور قيادة فلسطينية بديلة29. ومع وفاة عرفات، فإن موضوع القيادة الفلسطينية قد يشكل نقطة نزاع بعد الآن بين الهند وإسرائيل. إن الخلاف حول دور عرفات لا يعني عدم احتمال إجراء إعادة تقييم دقيق لسياسة الهند الخاصة بالشرق الأوسط. وكانت الهند قبل عام 1992، قد جعلت حل القضية الفلسطينية شرطاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ولكن في عام 1992، قررت الهند عدم الربط بين الأمرين، وأوضحت صراحة أنها غير مستعدة لجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة شرطاً مسبقاً لتحسين علاقاتها مع إسرائيل. وكان ذلك القرار متوافقاً مع السياسة أكثر من توافقه مع ما كان يتبعه العالم. وعبر السنوات، أصبحت الحكومة الهندية أيضاً أقل حدة في ردود فعلها تجاه معاملة إسرائيل مع الفلسطينيين، حيث لم تثر في السنوات الأخيرة تلك السياسة إلا رفضاً لطيفاً من قبل الحكومة الهندية. كما أبدت الحكومة الهندية شجب الهجمات الانتحارية الفلسطينية والهجمات الإرهابية الأخرى في إسرائيل، وهي من الأمور التي كانت تحظى في السابق بتبرير في ضوء السياسات العنيفة التي كانت تمارس ضد الفلسطينيين. وكانت الزيارة الرمزية التي قام بها وزير الخارجية الفلسطيني كانت الامتياز الوحيد الذي قدمته الهند كإشارة إلى أنها ما زالت مهتمة بمحنة الفلسطينيين. فالهند لم تعد تبادر إلى تبني اتخاذ قرارات ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، بل بذلت مجهودات جادة لتخفيف قرارات حركة عدم الانحياز ضد إسرائيل. وهناك أيضاً إدراك في الهند بأن موقفها المؤيد بصورة كبيرة للعرب في الشرق الأوسط لم يتم مكافأته بصورة ملائمة من قبل العالم العربي. فالهند لم تجد دعماً جديراً بالاهتمام من الدول العربية في ما يتعلق بالمشاكل التي تواجهها من الدول المجاورة لها وخصوصاً قضية كشمير. ولم يقم العالم العربي بأي جهود جادة للضغط على باكستان لوقف الهجمات التي يشنها المقاتلون عبر الحدود في كشمير. وعلى العكس من ذلك، فقد وقف العالم العربي بقوة إلى جانب باكستان مستخدماً منظمة المؤتمر الإسلامي لحشد الدعم لإسلام آباد والمجموعات الجهادية في كشمير30. وهناك إدراك متعاظم في الهند مفاده إذا كانت دول عربية مثل الأردن استطاعت أن تحافظ على سلامة علاقاتها التقليدية مع الفلسطينيين في الوقت الذي تُبنى فيه علاقات مع إسرائيل, فلا يوجد ما يمنع الهند من أن تتخذ المسار نفسه مما قد يمنحها مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية. وبالرغم من ميل الهند تُجاه إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي فإنها ستجبر على إدارة علاقاتها الثنائية مع إسرائيل في إطار القيود المفروضة بواسطة السياسة الداخلية ومصالحها في الشرق الأوسط. كما يجب أن تتوخى الحذر فإنها تدع إظهار علاقتها مع إسرائيل كمحور يهودي ـ هندوسي ضد الإسلام. وستكون المعالجة الإسرائيلية للقضية الفلسطينية أحد العوامل الرئيسية، بألاّ حيث سيكون من الصعب على الهند تبرير دعمها المستمر لإسرائيل في حال أصبحت السياسات الإسرائيلية تتسم بالعنف الصارخ. وإلى جانب ذلك وبالرغم من خيبة الأمل الهندية في العالم العربي, فإن هناك نحو ثلاثة ملايين هندي يعملون في الخليج الفارسي ويعتبرون مصدراً هاماً للنقد الأجنبي. وتحصل أيضاً الهند على ربع وارداتها من النفط من الشرق الأوسط. وإجمالاً، يجب على الهند أن توازن علاقاتها المتنامية مع إسرائيل من دون أن تضحي بمصالحها الجوهرية في باقي المنطقة. فالهند بحاجة إلى إسرائيل كشريك سياسي وعسكري ولكن من دون دفعها إلي أي مواجهة جديدة مع العالم الإسلامي31. وبينما واجهت إسرائيل ولمدة طويلة عداء من معظم دول العالم الإسلامي, نجد أن المصالح القومية للهند والعدد الكبير من سكانها المسلمين يجعلانها أكثر حرصاً على تفادي مثل هذا الموقف. وفي إطار هذا السياق، تم التعبير عن مشاعر القلق بشأن توجهات الحكومة الهندية الجديدة ـ التي يقودها حزب المؤتمر وتدعمها الأحزاب اليسارية ـ نحو إسرائيل. وعندما كان وزير الخارجية الحالي كى نتوار سينغ (K.Natwar Singh) في المعارضة, انتقد جهود الحكومة السابقة الرامية إلى تطوير الروابط الهندية ـ الإسرائيلية علي حساب الفلسطينيين. وقد كانت الأحزاب اليسارية أيضاً واضحة جداً في دعمها للقضية الفلسطينية. ولكن وحتى الآن لا يوجد مؤشر يُذكر بتأثر العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية بسبب التحلل المفترض للحكومة الجديدة من التزامها السابق. وقالت الحكومة الجديدة إن علاقاتها مع إسرائيل لن تؤثر في دعمها للقضية الفلسطينية32. وفي الواقع، كان ذلك هو الموقف نفسه الذي اتخذته الحكومة السابقة بقيادة حزب بهارتيا جناتا. وقد اتخذت الحكومة الجديدة خطوة رمزية بإرسال وزير الدولة للشؤون الخارجية إلى السلطة الفلسطينية، وبالتالي أظهرت دعمها القوي لاستقلال فلسطين. كما دعت أيضاً إلى اتخاذ تدابير برفع الحصار الإسرائيلي المفروض على مقر الرئيس ياسر عرفات33. وبصرف النظر عن هذه اللفتات الرمزية, لم يقع أي شيء مثير قد يؤدي إلى الاستنتاج بأن الهند تقوم بإعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل.
علاقات الهند مع إيران تشمل القيود التي تحدّ من علاقة الهند المتطورة مع إسرائيل العلاقة المزدهرة التي تربط الهند وإيران. وفي حقيقة الأمر، فقد أطلقت مؤسسة راند RAND بالولايات المتحدة الأمريكية على هذه العلاقات اسم " محور طهران ـ نيودلهي". ومن جهة نظر هذه المؤسسة، فإن هذه العلاقات تندرج ضمن عشرة تطورات أمنية دولية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي34. ويعود ذلك بصورة أساسية إلى احتمال تأثير الروابط الوثيقة التي تربط الهند وإيران في الدينامكية السياسية الشرق أوسطية التي قد لا تساعد بالضرورة المصالح الأمريكية في المنطقة. وبينما يبدو محور الهند ـ إيران بعيد الاحتمال, نجد أن العلاقات بين الهند وإيران شهدت بكل تأكيد تصاعداً منذ العقد الماضي. وقد انعكس ذلك في دعوة الهند إلى رئيس الوزراء الإيراني أن يكون ضيف شرف في احتفالات اليوم الوطني في يناير 2003. وهناك العديد من العوامل التي تساهم في تقارب المصالح الهندية ـ الإيرانية خلال الفترة التي تلت الحرب الباردة مثل الطبيعة الأحادية القطب للنظام العالمي الحالي وحاجة الهند إلى مجابهة النفوذ الباكستاني في العالم والحاجة إلى تعزيز الروابط التجارية والاقتصادية35. ومن جانب آخر، نجد علاقات إسرائيل مع إيران تتميز بالعداء العميق. وترى إسرائيل في إيران الداعم الأساسي لمجموعة حزب الله المعادية لإسرائيل في لبنان. كما تلوم إيران على دعمها الفاعل للمجموعات الفلسطينية المتطرفة التي تستخدم الإرهاب ضد المدنيين الإسرائيليين. وقد تقف السياسة الإيرانية تُجاه القضية الفلسطينية حجرة عثرة رئيسية أمام العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية، حيث لا تدعم إيران القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في استعادة أراضيه المحتلة كوطن لهم فحسب, بل تتبع أيضاً سياسة عدم الاعتراف بإسرائيل وتدعو علانية إلى إزالة دولة إسرائيل. وقد تعرضت إيران لضغوط من إسرائيل والولايات المتحدة لإيقاف برنامجها المشبوه لإنتاج الأسلحة النووية مع ورود تقارير تفيد بأن إسرائيل قد تنظر في توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية. ومع دعوة إيران الصريحة إلى إزالتها فإن إسرائيل ترى بوضوح في إيران التي تتمتع بقدرات عسكرية و نووية كتهديد قائم ومستمر. وبينما قد تكون عملية إقصاء صدام حسين من الحكم التي تمت بقيادة الولايات المتحدة أزالت أحد أعداء إسرائيل, إلا أنه يبدو أنها قد خلقت فرصاً جديدة لإيران لزيادة نفوذها على الدول المجاورة لإسرائيل. وفي هذا الخصوص، نجد أن إسرائيل مهتمة بشأن علاقات الهند المتنامية مع إيران36. فإسرائيل قلقة على وجه الخصوص من تقاسم الهند مع إيران لبعض التقنيات العسكرية التي تتلقاها من إسرائيل. وأثارت إسرائيل قلقها بشأن برنامج الأسلحة النووية الإيراني وتأثيره في استقرار المنطقة خلال اجتماع مجموعة العمل المشتركة الهندية ـ الإسرائيلية حول محاربة الإرهاب التي عقدت في نوفمبر 2004. وترغب إسرائيل في أن تعترف الهند بالخطر الذي يمثله امتلاك إيران لأسلحة نووية، كما ترغب في أن تبذل الهند مجهودات للمساعدة على استقرار الوضع الأمني المتفجر في جنوب غرب آسيا. وفي حين لا تحتاج كل من الهند وإسرائيل في توظيف علاقتهما الثنائية إلى مصلحة علاقة كل منهما مع أي طرف ثالث, فإنه يجب على كلا البلدين إدارة هذه العلاقات بحذر على ضوء علاقات الهند مع الدول الأخرى بمنطقة الشرق الأوسط ومع إيران على وجه التحديد. وستظل إسرائيل مهتمة باتجاه السياسة الخارجية الهندية في الشرق الأوسط على الرغم من أن الهند قد تحاول أن تبذل كل جهد للحفاظ على عزل علاقاتها مع إسرائيل من تعاملاتها الثنائية مع دول الشرق الأوسط الأخرى. الدور المتناقض للولايات المتحدة ستواجه أيضاً علاقات الهند بإسرائيل تقييداً يرتكز على المدى الذي ترغب فيه الولايات المتحدة أن يصل إليه هذا الارتباط. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة رحبت بالعلاقات المتنامية بين الهند وإسرائيل فإنها ترفض بصورة بارزة الصادرات الدفاعية الإسرائيلية. وفي عام 2000، عارضت الولايات المتحدة بيع نظام الإنذار المبكر من طراز فالكون بقيمة ملياري دولار للصين. ويعود السبب الظاهري إلى خشية الولايات المتحدة من أن يشكل ذلك مخاطر متزايدة على تايوان وعلى الطيارين الأمريكان في حالة نشوب حرب مع الصين. وعلى الرغم من الولايات المتحدة صدّقت بصورة عامة على صادرات عسكرية عالية التقنية من الهند إلى إسرائيل, فإنها مترددة حيال الموافقة على تصدير أنظمة تحتوى على مدخلات تقنية أو مالية أمريكية. فقد عبرت الولايات المتحدة عن معارضتها لاحتمال بيع إسرائيل النظام المضاد للصواريخ من طراز آرو للهند، الأمر الذي أدى إلى تعليق المحادثات بين الهند وإسرائيل بشأن هذا الموضوع37. ولا يعني ذلك نفي الحقيقة التي مفادها أن علاقات الأمن المتنامية بين الهند وإسرائيل قد تعززت إلى حد بعيد بمساعدة الولايات المتحدة. ووفق ما يراه العديد من الناس فإن الرغبة الأمريكية في إحداث تقارب بين البلدين ما هي إلا مخطط أمريكي يهدف إلى موازنة نفوذ الصين الصاعدة والتي قد تصبح المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في السنوات المقبلة. وطالما أن التعاون الدفاعي يمثل والى حد بعيد القوة الدافعة للعلاقات الهندية ـ الإسرائيلية, فسيبرز خطر حقيقي في حالة انخفاض مستوى هذا التعاون، إذ قد يؤدي ذلك إلى تقويض العلاقات الثنائية بين البلدين بصورة خطيرة. ومن المحتمل أيضاً وبمجرد أن يصبح سوق السلاح الأمريكية أكثر انفتاحاً أمام الهند, فإن السوق الإسرائيلية قد تفقد جاذبيته النسبية. وكانت الهند والولايات المتحدة قد وقعتا اتفاقية تتيح رفع القيود الأمريكية عن التعاملات التجارية في مجال التقنيات العالية مع الهند. وتغطي هذه الاتفاقية تقنيات رفيعة المستوى تتعلق بالطاقة النووية المستخدمة في الأغراض السلمية والفضاء والدفاع الصاروخي والتجارة عالية التقنية38. الاختلافات الملموسة حول الإرهاب هناك اختلاف في المفاهيم بين الهند وإسرائيل بشأن قضية الإرهاب، بينما تمثل باكستان بالنسبة للهند مركز الإرهاب نجد أن إسرائيل تضع إيران في هذا الموقع. فإسرائيل قد تكون متعاطفة مع القلق الهندي تُجاه باكستان، ولكنها غير مستعدة لخلق أعداء جدد. كما أنها لا ترغب في تقويض إمكانية قيام باكستان بتطبيع علاقاتها معها في وقت ما في المستقبل. وهناك أمر آخر يتعلق بطريقة التعامل مع الإرهاب. ففي حين يمكن للهند أن تتعلم الكثير من إسرائيل حول طريقة تعاملها مع الإرهاب سواء داخل حدودها أو الإرهاب الذي يرعاه خصوم إقليميون, نجد أن هناك حدوداً بشأن المدى الذي تُعتبر فيه الهند الاستراتيجية الإسرائيلية قابلة للتطبيق. فهي ترى في السياسة الإسرائيلية العنيفة تُجاه جيرانها المشاكسين وضد الفلسطينيين أسلوباً فشل في تحقيق السلام والأمن، بل عمل على ترسيخ مشاعر الكراهية ضدها في العالم العربي. لذلك فإن العديد من الهنود يعتقدون أن مثل هذه الاستراتيجية لا تُعتبر نموذجاً يحتذى بالنسبة لوضعهم.
علاقة إسرائيل مع الصين وباكستان تشعر الهند أيضاً بالقلق بشأن إقامة إسرائيل لعلاقات دفاعية وطيدة مع الصين أو حتى مع باكستان في المستقبل، الأمر الذي سيكون له تداعيات استراتيجية عكسية بالنسبة للهند. ويبدو من الواضح أن إسرائيل حريصة على إحياء علاقاتها الثنائية مع الصين، والتي عانت من انتكاسة رئيسية عندما قامت إسرائيل بإلغاء صفقة طائرة التجسس طراز فالكون مع الصين بسبب ضغوط أمريكية. ويبدو أن التعاون في مواجهة الإرهاب والتعامل التجاري في مجال أنظمة الدفاع تشكل القوة الدافعة للعلاقات الصينية ـ الإسرائيلية كما هو الحال بالنسبة للعلاقات الهندية ـ الإسرائيلية39. فإسرائيل لا تنظر كسوق ضخمة أخرى لمنتجاتها الدفاعية فحسب, بل كلاعب دولي بارز يمكنه أن يضطلع بدور بّناء لصالح إسرائيل في المحافل متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن علاقات إسرائيل مع الصين تظل من دون أي شك تحت مراقبة ونظر الولايات المتحدة, فإن الهند ستهتم بشأن العواقب المترتبة على إقامة تعاون دفاعي وثيق بين إسرائيل والصين، وبخاصة في ضوء علاقات الصين الدفاعية الوثيقة مع باكستان.
الخلاصة تعززت العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل على نحو بارز في السنوات الماضية، إذ تقاربت مصالح الدولتين بشأن العديد من القضايا. ولكن هذه العلاقات في جوهرها ما زالت تدفعها العلاقات الدفاعية الوثيقة والاعتراف بالعدو المشترك المتمثل في الإرهاب الإسلامي. وعلى الرغم من أن كلا الطرفين بذل محاولات لتوسيع قاعدة علاقاتهما, فإن هناك قيوداً هامة تحول دون تحقيق هذه العلاقات لقدرتها الكاملة على التطور والنجاح. ويتعين على كلا البلدين اجتياز هذه القيود والعقبات التي تقف حائلاً أمام علاقاتهما بكل حذر. فالبيئة الدولية الحالية تُعتبر ملائمة لتعميق الروابط الهندية ـ الإسرائيلية. ويعتمد المدى الذي يرغب فيه الطرفان للاستفادة من هذه الفرصة في النهاية على الإرادة السياسية لكلا البلدين. فالشعبان الهندي والإسرائيلي يتمتعان بتاريخ طويل من التواصل الحضاري. لذا، فمن الطبيعي للدولتين أن تتعاونا بصورة أكثر بعضهما مع بعض بشأن العديد من القضايا التي تتراوح ما بين التعاون الدفاعي ومحاربة الإرهاب إلى التبادلات التجارية والثقافية. فهناك العديد من المنافع المتبادلة البارزة التي يمكن لكلتا الدولتين التمتع بها كنتيجة لإقامة شراكة فاعلة بعضهما مع بعض.
هارش. ڤي.بانت مرشح لنيل درجة الدكتوراه بشعبة العلوم السياسية في جامعة نوتردام ـ إنديانا ـالولايات المتحدة (University of Notre Dame- Indiana) تشمل اهتماماته البحثية قضايا الأمن الدولي وأمن جنوب آسيا. NOTES
|