|
اق صدام وأسلحة الدمار الشامل: العراق كدولة شرق أوسطية ذات سجل في إنتاج أسلحة الدمار الشامل إبراهيم الـمرعشــي* صدر هذا المقال في المجلّد الثامن، العدد الثالث، سبتمبر 2004، مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية © 2004 MERIA، ويقوم مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق مع مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية. جميع حقوق الترجمة محفوظة لمركز الخليج للأبحاث 2004 ©
SADDAM'S IRAQ AND WEAPONS OF MASS DESTRUCTION: IRAQ AS A CASE STUDY OF MIDDLE EASTERN PROLIFERANT
Author: Ibrahim al-Marashi Source: Middle East Review of International Affairs (MERIA) Volume 8, Issue3, September 2004
This article was originally published in English by MERIA and has been translated and re-published in Arabic by Gulf Research Center through arrangement with MERIA.
English Version © 2004 MERIA Arabic Translation and Version © 2004 Gulf Research Center All rights reserved.
عراق صدام وأسلحة الدمار الشامل: العراق كدولة شرق أوسطية ذات سجل في إنتاج أسلحة الدمار الشامل[*] المــــقـدمـــــة في حين تلاشى خطر البرنامج العراقي لأسلحة الدمار الشامل، نتيجةً للحرب التي قادتها الولايات المتحدة في عام 2003 ضد نظام صدام حسين، فإن دراسة الدوافع التي أدت بالعراق إلى امتلاك تلك الأسلحة, أمر في غاية الأهمية لفهم الأسباب المنطقية التي ربما ستدفع دولاً شرق أوسطية أخرى إلى محاولة الحصول على الأسلحة غير التقليدية في المستقبل. يحلل هذا البحث أسباب العراق المنطقية لتطوير برنامج لأسلحة الدمار الشامل, مستنداً إلى وثائق رسمية للقيادة العراقية وأجهزة استخباراتها، تعود إلى فترتَي الحرب الإيرانية ـ العراقية, وحرب الخليج الأولى التي اندلعت في عام 1991. وجديرٌ بالذكر أنه عُثر على تلك الوثائق في عام 2003، أي خلال اجتياح العراق على يد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
ملاحظة: كُتب هذا المقال بداية لإلقاء الضوء على هذا الموضوع، وللمشاركة في المؤتمر الذي انعقد بعنوان: "مواجهة التهديدات في عصر أسلحة الدمار الشامل: آراء شرق أوسطية وأوروبية"، عقد المؤتمر المذكور برعاية كلٍ من مركز"غلوريا" (GLORIA) الإيطالي، والمركز العسكري الإيطالي للدراسات الاستراتيجية.
عراق صدام وأسلحة الدمار الشامل: العراق كدولة شرق أوسطية ذات سجل في إنتاج أسلحة الدمار الشامل
لقد تبين أن التهديد الذي كان مرتبطاً ببرنامج العراق لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، قد تلاشى نتيجةً لغزو العراق بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003، إلا أن دراسة الدوافع التي أدت بعراق صدام حسين إلى امتلاك تلك الأسلحة، تظل أمراً ضرورياً لفهم الأسباب التي قد تدفع دولاً شرق أوسطية أخرى، إلى امتلاك أسلحة مماثلة في المستقبل. أنفق العراق على برنامجه لتطوير أسلحة الدمار الشامل أكثر من أي دولة نامية أُخرى، وقد بدأ في منتصف سبعينيات القرن الماضي في تطوير قدراته في مجال الأسلحة غير التقليدية. في تلك الفترة كان صدام حسين يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية العراقية، ولكن بعد تولـيه رئاسة الجمهورية في عام 1979، كثف صدام حسين المساعي والجهود العراقية الرامية إلى تحويل العراق إلى قوة إقليمية كبرى. خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، اضطُر العراق إلى تطوير أنواع من أسلحة الدمار الشامل، ليخلق توازناً عسكرياً مع خصمه الإيراني الذي كان لديه جيش جرار يتفوق كثيراً، عدداً وعدةً، على الجيش العراقي، فلجأ العراق حينها إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل، لردع الإيرانيين ومنعهم من التوغـل في أراضيه. في عام 2003، تعرض العراق إلى غزو قادته الولايات المتحدة الأمريكية ضده، بسبب شكوك الأخيرة المتعلقة بالبرنامج العراقي لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، والتهديد الذي كانت تشكله تلك الأسلحة على أمن منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. يقدم هذا البحث دراسة تحليلية للأسباب المنطقية التي أدت بالعراق إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل، وذلك عبر تحليل الوثائق الرسمية التي عُثر عليها بعد الغزو، والتي تعود إلى القيادة العراقية وأجهزتها الاستخبارية. يرجع تاريخ هذه الوثائق إلى فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية التي امتدت من عام 1980 إلى عام 1988، وحرب الخليج الأولى التي وقعت في عام 1991. وتبرهن الوثائق التي سنستعرضها، أنه كان ضرورياً بالنسبة للعراق، تطوير أسلحة دمار شامل للحفاظ على وجوده في ظل ما كان يواجهه من تهديدات على الصعيدين المحلـي والدولي. ويُستقى من هذه الوثائق أيضاً، أن المساعي العراقية كانت ترمي إلى الحفاظ على وجود النظام الحاكم أولاً، وقبل الاكتراث بمسألة الحفاظ على الشعب العراقي نفسه. كما أدى تحليل ما يستند إليه هذا البحث من وثائق إلى استنتاج المنطق العراقي الخاص باستخدام أسلحة الدمار الشامل؛ وخصائص الإدراك العراقي للتهديدات التي كان تحيق بنظام صدام حسين؛ بالإضافة إلى أنها أفسحت المجال، أمام إمكانية التكهن بشأن ما إذا كان العراق سيستخدم السلاح النووي، لو أنه كان يمتلكه. مما لا شك فيه، أنه حتى ولو لم تكن أسلحة العراق النووية ستشكل أي تهديد مباشر على أوروبا، كان من شأن تلك الأسلحة أن تمكِّن صدام من تهديد دول الخليج العربي الضعيفة الواقعة جنوبي بلاده، وإرهابها وبسط نفوذه على مواردها النفطية ذات الأهمية الاستراتيجية الواضحة، بالنسبة إلى أوروبا التي تعتمد على تلك الموارد النفطية اعتماداً كبيراً. بعد حرب الخليح الأولى، عُثر على مئات الآلاف من الملفات السرية العراقية التي خلـفتها القوات العراقية بعد مغادرتها الكويت، والانسحاب من مناطق العراق الشمالية. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الوثائق، لا تـزال قيد التصنيف من قبل "مشروع العراق للبحث والتوثيق"، وأنه يمكن الاطلاع عليها عبر الموقع الإلكتروني التابع للمشروع المذكور[1]. إن دراسة هـذه الوثائق بعـناية وروية، أدت الى تكوين نظرة عميقة ومفصلة، عن عمليات أجهزة صدام حسين الأمنية التي كان يعتمد عليها[2]، وعن تنظيمها وكيفية تقاسمها للسلطات التي كانت تتمتع بها, بالإضافة إلى تركيبة منظومة القيادة والتحكم فيها. يُعد هذا البحث محاولة للاستفادة من الوثائق المذكورة بهدف تحديد آثارها وانعكاساتها على مجمل قضايا أسلحة الدمار الشامل الحساسة. هناك مشكلة وحيدة تتعلق بالوثائق الرسمية العراقية، وتكمن في أن تلك الوثائق، لا تحتوي على أي إشارة صريحة إلى أسلحة الدمار الشامل العراقية، ولكنها تقدم أدلـة قوية تتعلق بتلك الأسلحة عبر الإشارة إليها بشكل غير مباشر. على الرغم من سقوط نظام صدام حسين، يُعتبر هذا البحث وثيق الصلة بقضايا أسلحة الدمار الشامل لأسباب عدة، منها: أولاً: يضع هذا البحث الأسس الكفيلة بخلق نقطة انطلاق لدراسات وأبحاث مستقبلية، قد تجريها مؤسسات دولية حول قضايا أسلحة الدمار الشامل العراقية. ثانياً: قد تكون الأفكار والمعلومات المكتسبة عبر هذا البحث، أداة إضافية هامة وفعالة، عند دراسة أنشطة بلدان أخرى تسعى إلى امتلاك أي من أسلحة الدمار الشامل، وقد تعزز القدرة على فهم طبيعة برامجها للأسلحة غير التقليدية وكيفيـة تقييمها والسيطرة عليها.
تطـور البرنـامج الـنـووي الـعراقي
في عام 1969 وقـع العراق على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولكنه استخدم تلك الخطوة كغطاء لبرنامج نووي سري عمل على تطويره في الخفاء. ففي عام 1976، قام العراق بشراء مفاعل للأبحاث عُرف باسم: "مفاعل شرق العراق" أو بمفاعل"تموز". كان ذلك المفاعل قادراً على معالجة اليورانيوم للحصول على مادة البلوتونيوم. تعثـرت خطط العراق لإنتاج كميات من المواد الانشطارية الكافية لإنتاج قنبلة نووية، إثر الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي دمر ذلك المفاعل، وذلك في السابع من يونيو 1981. في التاسع من أغسطس 1981، أعدت أجهزة الاستخبارات العسكرية العراقية تقريراً قدمته إلى قائد سلاح الجو العراقي، وكان بعنوان: "دراسة تحليلية للهجوم الإسرائيلي على منشأة تموز (شرق العراق) النووية". انتقد ذلك التقرير فشل العراق في حماية الموقع المذكور، إذ ورد فيه: "لقد استغل العدو الصهيوني نقطتي الضعف المتمثلتين بقابلية منشآتنا للضرب من الجو؛ وعدم الانتهاء من تشييد الجدار الواقي المخصص لحماية تلك المنشآت من أي قصف جوي". اختُتم التقرير بالتأكيد على الانتهاء من معالجة التقصير المذكور على النحو الآتي: "لقد اتخذنا جميع الإجراءات اللازمة والفعالة التي من شأنها تقليص احتمال نجاح العدو الصهيوني في استهداف منشآتنا العسكرية الحيوية في المستقبل"[3]. من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن هذا التقرير أكد على استقاء العبر من أخطاء الماضي، مركـزاً على "تلافي وقوع أي أخطاء مماثلة في المستقبل". أضف إلى ذلك أن اللهجة التي صيغ بها التقرير هي أهم جوانبه، لأنه أكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن العراق كان ماضياً في تطوير برنامجه النووي، غير آبه ولا مرتدع بالهجوم الإسرائيلي، وأنه سيحمي برنامجه النووي بدلاً من التخلي عنه أو إنهائه كلـياً. من الواضخ أن الهجوم الإسرائيلي على مفاعل تمـوز النووي، لم يتمكن من القضاء على الطموحات النووية التي كانت لدى صدام حسين؛ ليس هذا فحسب، بل لقد أدى ذلك الهجوم إلى نتيجة عكسية تماماً، ذلك لأن صدام حسين كثف جهوده الرامية إلى تطوير السلاح النووي. وفي تعليق له على الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مفاعل تموز، أدلى خضر حمزة، وهو أحد العلماء النوويين العراقيين الذين عملوا في برنامج العراق النووي، والذي استطاع الفرار من العراق، أدلى بما يلي: "....لقد ارتكبت إسرائيل خطأً فادحاً، لأن الهجوم الذي شنـته على مفاعل تمـوز (أو شرق العراق)، قضى على الجهود الرامية إلى انتاج البلوتونيوم، ولكنه في المقابل، أدى إلى ظهور برنامج جديد لإنتاج اليورانيوم العالي التخصيب. لقد كان عددنا في البداية قرابة خمسمائة، ولكن بعد الضربة الجوية الإسرائيلية، أصبح عددننا سبعة آلاف، لأن البرنامج السري الجديد تميز بطموحات كبيرة جداً، فاقت كثيراً تلك الطموحات التي كان يُرجى تحقيقها عبر البرنامج النووي السابق"[4]. في عام 1989، أكدت الاستخبارات الأمريكية، أن العراق كان يقوم بمحاولات لإنتاج قنبلة نووية. جاء ذلك التأكيد استناداً إلى طبيعة المعدات والتجهيزات النووية التي كانت لدى العراق، والمواد النووية التي سعى إلى شرائها، والتي لم يكن لها أي استخدام في المجالات المدنية. كما أكـدت الاستخبارات الأمريكية أيضاً، أن العراق اكتسب ما لديه من مواد نووية ومعدات مثيرة للاشتباه، عبر شركات وهمية أو مقنعة أنشأتها في الخارج لذلك الغرض. ومهما يكن من أمر، فقد أفادت تقديرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية في عام 1990، أن العراق لم يكن يمتلك بعد أياً من المواد الانشطارية (أي اليورانيوم العالي التخصيب أو البلوتونيوم)، الضرورية لإنتاج أي سلاح نووي, وأنه لم يكن يمتلك أيضاً أي مفاعل لإنتاج مادة البلوتونيوم أو أي أجهزة أخرى ضرورية لإنتاجها. قبل عام 1990، كانت المؤشرات التي تدل على وجود برنامج نووي عسكري في العراق قليلة جداً؛ كما أن المعلومات المتعلقة بتكنولوجيا الأسلحة النووية التي وصلت إلى العراق، كانت ضئيلة جداً. لكن في المقابل، توفرت الأدلـة التي أثبتت وجود محاولات عراقية لإنتاج اليورانيوم المخصب الضروري لأي برنامج نووي عسكري. ويُعتقد أن العراق كان يسعى إلى بناء منشأة لتخصيب اليورانيوم تستخدم فيها تكنولوجيا الطرد المركزي الغازي (أي أجهزة الطرد المركزي العالية الكفاءة). في ذلك الوقت، لم يكن لدى العراق أي برنامج نووي للأغراض السلمية أو المدنية، وبالتالي لم تكن هناك أي ضرورة لاقتنائه مثل تلك الأجهزة، الأمر الذي أدى إلى استنتاج أن العراق، كان يحاول إنتاج اليورانيوم المخصب لاستخدامه في إنتاج قنبلة نووية. بعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية، حاول العراق الحصول على أجزاء لأجهزة طرد مركزي غازية، عبر شركات بريطانية وألمانية وهولندية وفرنسية. ومن المؤكد أن تلك المحاولات حققت نجاحاً جزئياً فقط، لأن العراق لم يحصل على أي أجزاء لأي أجهزة طرد مركزية غازية، ولكنه على ما يبدو، استطاع الحصول على أنواع أخرى من أجهزة الطرد المركزي. يُستنتج ذلك من المحاولات العراقية لاستقطاب خبراء ألمان للقدوم إلى العراق والعمل فيها على بناء تلك الأجهزة. كانت "شركة القعقاع العامة للصناعات العسكرية" هي المسؤولة عن إنتاج وتطوير المتفجرات وتقنيات قياس السرعات العالية، كما شاركت في إنتاج الأجزاء غير النووية الضرورية لإنتاج قنبلة نووية. هناك شركة عراقية أخرى، وهي: "شركة النصر العامة للصناعات الميكانيكية"، كانت تقع في مدينة "تاجة" القريبة من العاصمة العراقية بغداد، وكانت مسؤولة عن بناء وتطوير أجهزة الطرد المركزي الغازية. بعد حرب الخليج الأولى، بدأت تبرز الأدلة التي أظهرت الحجم الحقيقي لبرنامج العراق النووي. كان ذلك البرنامج الضخم، الذي لم تشكل الموازنات المالية المحدودة أي عائق في سبيله، كان أقرب إلى تحقيق هدفه بإنتاج قنبلة نووية، مما كان يعتقده المحللون الاستخباريون الأمريكيون قبل عملية عاصفة الصحراء. وفي حين كانت لجنة التفتيش الخاصة التابعة للأمم المتحدة تعلم فقط بوجود منشأتين نوويتين في العراق، اكتتشفت في وقت لاحق أن أكثر من عشرين منشأة عراقية كانت متورطة في البرنامج النووي العراقي. هذا النوع من الأنشطة هو بحد ذاته، خير وأوضح دليل على أن العراق كان مصمماً على امتلاك السلاح النووي خلال ثمانينيات القرن الماضي، بالرغم من التكاليف الباهظة للحرب العراقية ـ الإيرانية. من المدهش حقاً، أن العقبات الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن ثمانية أعوام من الحرب الطاحنة بين العراق وإيران، لم تقف حائلاً دون مواصلة العراق لأنشطته ومساعيه الرامية إلى اقتناء وتطوير أجهزة نووية للاستخدامات العسكرية، وليست هذه الحقيقة سوى البرهان الأقوى على عزم وتصميم صدام حسين، على امتلاك تكنولوجيا الأسلحة النووية. وعلماً بأن صدام حسين نفسه ادعى أن القنبلة النووية التي كان يعتزم بناءها كانت" قنبلة عربية"، وأن الهدف من وراء إنتاجها كان حماية المصالح العربية، لكنه تبين فيما بعد، أن نيته الحقيقية لم تكن سوى انعكاس لإدراكه بأن امتلاكه للسلاح النووي الفتاك، كان المفتاح لتحقيق جميع أهدافه وأطماعه.
البرنــــامج الكـــيميائي العــــراقي
في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ العراق الإنتاج الفعلي للأسلحة الكيميائية، وكان لديه البرنامج الكيميائي الأشمل في منطقة الشرق الأوسط برمته، بل ربما كان ذلك البرنامج العراقي الأشمل من نوعه على صعيد الدول النامية قاطبة. أبلغ العراق مفتشي الأمم المتحدة، أنه كان قد أنتج أكثر من مائتي ألف قنبلة كيميائية، استخدم نصفها ضد الجيش الإيراني والأكراد خلال حرب السنوات الثماني مع إيران. في نوفمبر 1983، قدمت إيران إلى الأمم المتحدة أدلة تثبت من خلالها استخدام العراق لأسلحة كيميائية ضدها. ومن عام 1983 إلى عام 1988، واصل العراق استخدامه لغاز الخردل وغاز الأعصاب في معارك جرت مع الإيرانيين من دون التعرض لأي عقوبات دولية. استخدم العراق تلك الأسلحة، لأنه رأى فيها بكل بساطة عاملاً "مضاعفاً لقوته العسكرية"، ذلك لأن حجم جيشه كان أقل بكثير من حجم الجيش الإيراني، فكان استخدام الأسلحة الكيميائية يعزز قوة الجيش العراقي بشكل كبير في أرض المعركة. وعلى سبيل المثال، هناك بعض التقارير التي أوردت أن العراقيين تمكنـوا من قتل أربعين ألف جندي إيراني، مقابل خسارة تسعة آلاف جندي من جانبهم، في المعارك التي جرت في شهري فبراير ومارس 1984. لكن الخبراء العسكريين أعربوا عن اعتقادهم بأن تلك النسبة، لم تكن كافية لتحقيق العراقيين لأي نصر على إيران؛ لذلك أصدرت القيادة العسكرية العراقية أوامرها باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الجيش الإيراني.
في شهر مارس 1985، توغلت القوات الإيرانية في الأراضي العراقية حتي بلغت مواقع كانت تفصلها مسافة خمسة عشر كيلو متراً فقط، عن الطريق السريع الذي يصل بين مدينتي بغداد والبصرة. ولو استطاعت القوات الإيرانية السيطرة على ذلك الطريق الاستراتيجي، لتمكنت من عزل مدينة بغداد عن باقي دول الخليج العربي وتهديد النظام العراقي نفسه بشكل مباشر. نتيجة لذلك، أمرت القيادة العراقية قواتها مجدداً، باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد تلك القوات الإيرانية، لمنعها من مزيد التوغل في الأراضي العراقية. كذلك استخدم العراق تلك الأسلحة ضد المتمردين الأكراد، في سلسلة من الهجمات التي قامت بها قواته، والتي أطلق عليها اسم: "حملة الأنفال". اختتمت تلك الحملة طائرة تابعة لسلاح الجو العراقي، قصفت في السادس عشر فبراير 1988، مدينة حلبچة الكردية الواقعة في شمال العراق بعامل الخردل وبغاز الأعصاب، مما أسفر عن سقوط خمسة آلاف ضحية كان معظمهم من المدنيين العزل. أُطلقت حملة الأنفال نتيجةً لإدراك بغداد، أن أكراد الشمال كانوا يتحالفون مع الإيرانيين خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية. وفي ما يلي نقدم وثيقة تعكس الموقف الرسمي العراقي من حملة الأنفال، والفخر الذي تميز به ذلك الموقف، والمبررات التي سيقت لشن تلك الحملة. نــص الــــوثيقة: "لقد تكللت حملة الأنفال البطولية بدحر وتدمير عصابات الإرهاب التي قامت مؤخراً بعدد من الأعمال التخريبية في المدن، استهدفت خلالها صالونات للتجميل ومشاغل للخياطة. ومن أجل إيقاف هؤلاء الإرهابيين والقضاء عليهم، عليكم التزام الحيطة والحذر من تكرار تلك الأعمال الإرهابية التي انتقلت من الجبال إلى المدن. من الضروري تحريك عتادكم والبقاء على أهبة الاستعداد. يُرجى أخذ العلم وعمل اللازم وإبلاغنا بكل جديد"[5]. تعكس هذه الوثيقه الصعوبات التي كان يواجهها الجيش العراقي في مواجهة المتمردين الأكراد خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية. ومن المؤكد أن إحدى أهم نقاط الضعف التي عانى منها الجيش العراقي في تلك المواجهة، كانت عدم تمكنه من استخدام المدرعات في حربه ضد الأكراد الذين كانوا يتمركزون في الجبال، وبالتالي اقتصرت التحركات العسكرية العراقية ضدهم على إرسال مشاة إلى تلك المناطق الجبلية الوعرة لقتالهم. كان المتمردون الأكراد متأقلمين مع تلك المناطق الجبلية، وعارفين بطبيعة تضاريسها أكثر من الجيش العراقي؛ لذلك رأت القيادة العسكرية العراقية في إلقاء القنابل الكيميائية من الجو على المتمردين الأكراد "الحل" الأمثل لتلك المشكله. لم تتضمن الوثائق الخاصة بحملة الأنفال أي إشارة صريحة إلى "العمليات الخاصة"، أو "الهجمات الكيميائية". إذ لم يرد فيها ذكر لأي أسلحة كيميائية بشكل مباشر، بل لقد رمز إليها العراقيون بعبارة: "العتاد الخامس"، بدلاً من الأسلحة الكيميائية. وعلى الرغم من وقوع هجمات كيميائية عدة، فقد جرت العادة بأن يشير المسؤولون العسكريون العراقيون إليها بأسلوب غير مباشر أيضاً. فعلى سبيل المثال، عند الإبلاغ عن أن الأكراد اتهموا العراقيين باستهدافهم بأسلحة كيميائية، استُخدمت عبارات مثل "هجمات خاصة" أو"هجمات بأسلحة خاصة"، بدلاً من عبارة "الأسلحة الكيميائية". في شهر ديسمبر 1991، أجـرت منظمة "ميدل إيست واتش"(Middle East Watch) حملة بحث وتحقيقات ميدانية واسعة بالاشتراك مع أطباء من منظمات لحقوق الإنسان. استغرقت الحملة سنتين تقريباً، ونبشت خلالها مقابر جماعية عدة، استُخرجت من بعضها جثث لإجراء فحوص مخبرية عليها، بهدف التحقيق في ادعاءات الأكراد القائلة إن نظام صدام حسين استخدم أسلحة كيميائية ضدهم في حملة الأنفال؛ وقد أكدت التحقيقات الميدانية والنتائج المخبرية صحة الادعاءات الكردية بالدليل القاطع[6]. من الواضح أن بعض الوثائق بعينها تضمنت الرابط بين "الهجمات الخاصة" واستخدام العراقيين لعوامل كيميائية. فعلى سبيل المثال، هناك شريط سجلت عليه وقائع أحد الاجتماعات التي انعقدت في عام 1987. استخدم عـلي حسن المجيد في ذلك الاجتماع عبارتي: "الهجمات الكيميائية" و"الهجمات بالأسلحة الخاصة" للإشارة إلى الشيء نفسه[7]. أضف إلى ذلك فقد وردت عبارة "الأسلحة الكيميائية" على لسان العراقيين، في وثائق أُبلغ فيها عن حصول الأكراد على مواد واقية. إذ أُشير في إحدى الوثائق مثلاً إلى حصول "الحزب الديمقراطي الكردستاني" على خمسمائة قناع واقٍ من الغازات كأحد الإجراءات الاحترازية لمواجهة أي هجمات خاصة. وفي تقرير آخر يعود تاريخه إلى ربيع عام 1987، تم الإبلاغ عن حصول كل من"الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"حزب الاتحاد الوطني الكردستاني"، على أقنعة واقية وأدوية وأمصال ولقاحات مضادة للعوامل التي كان العراقيون يستخدمونها ضد الأكراد أو ما يُعرف بـ "الترياق". وتشير بعض التقارير العراقية الرسمية إلى أن الهجمات بالعوامل الكيميائية، أودت ببصر كثير من الأكراد. وفي ما يلي نورد أحد التقارير التي تؤكد استخدام الحكومة العراقية للأسلحة الكيميائية في هجمات جوية استهدفت قرى كردية، قتل جراءها العديد من سكانها، وفقد آخرون أبصارهم.
نص التقرير: "في السابع والعشرين من مايو 1987، قامت طائراتنا بقصف عدد من القرى، وهي: مليكان وتاليتان وكندور وجالة العليا وجالة السفلى، الواقعة في محافظة خليفان، والتي كانت تؤوي العديد من المخربين. ونتيجة لتلك الهجمات، فَقَدَ عمر عبد الله , شقيق المجرم مصطفى عبد الله الذي كان أحد مستشاري اللواء الثامن والثمانين للدفاع الوطني، ثم التحق بصفوف المخربين مؤخراً، فقد بصره. بالإضافة إلى ذلك أسفرت الهجمات عن مقتل عدد من المخربين، كما فقد قرابة ثلاثين شخصاً أبصارهم، بمن فيهم أفراد من أسرة المجرم كمال الحاج خضر آغا، وهو المسؤول عن إحدى الوحدات المقاتلة التابعة للحزب الوطني الكردستاني، فَقَدَ آغا بصره أيضاً. وقد تم نقل جميع الضحايا إلى مستشفيات في إيران. وأعلنت بعض أُسر أفراد عصابات المخربين ولاءها للنظام الإيراني. هذا وقد أقامت لهم الحكومة الإيرانيــة مجمعات سكنيـة في مــدينتي "باختران" و"ساننداج"(Sanandaj) "[8]. تعكس هذه الوثيقة أن النطام العراقي كان يستخدم الأسلحة الكيميائية من دون أي تمييز بين مدني أو عسكري، مستهدفاً القرى التي كان يُعتقد أنها كانت تتعاطف مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، من دون أي شفقة أو رحمة. لذلك لم يكن استخدام الأسلحة الكيميائية مقتصراً على العمليات العسكرية، بل لقد استخدمها نظام صدام حسين كأداة ترهيبية ضد خصومه المدنيين أيضاً. وجدير بالذكر، أنه في حين أعلنت إدارة الــرئيس ريغان، إدانتها استخدام العراق للأسلحة الكيميائية، كان مسؤولون تابعون لوزارة الدفاع الأمريكية يتعاونون مع العراق، ولا يعارضون استخدامه لتلك الأسلحة ضد إيران، مؤكدين لصدام حسين أنه لن يلقى معارضة دولية شديدة لاستخدامه لتلك الأسلحة.
حــــرب الخـــلـيج الأولــــــى 1991
لو أن صدام حسين انتظر في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حتى حصل على سلاح نووي قبل غزو الكويت، لكانت نتائج ذلك الغزو مغايرة تماماً للنتائج التي نعرفها. عبر الإمعان في التقييمات العسكرية لحرب عام 1991، يمكن للمرء تكوين فكرة عن التوجه الاستراتيجي لنظام صدام حسين، والتوصل إلى فهم حقيقه ذلك التوجه، الذي كان سيختلف كثيراً لو أن العراق، كان يمتلك سلاحاً نووياً في تلك الفترة. بحسب بعض الروايات المتعلقة بحرب الخليج، كان صدام حسين يعتقد بأن نشر الولايات المتحدة قواتها في السعودية لم يكن سوى ضرب من الخداع، لأن الولايات المتحده على حد اعتقاده، لم تكن عازمة على مهاجمته. وعلى سبيل المثال، أدلى أحد المصادر بما يلي:" من الواضح أن صدام حسين كان يؤمن بعدم دعم الشعب الأمريكي لأي حرب، وبعدم وجود رغبة حقيقية لدى دول التحالف، بالدخول في مواجهة عسكرية مع العراق عندما تحين ساعة الحسم"[9]. وفي السياق نفسه، ادعى مصدر آخر أن صدام حسين كان على ثقة بأن الولايات المتحدة، لن تقود أي حرب لإخراج قواته من الكويت، لأنها كانت تعاني من "عقدة فيتنام"، مما يحول دون إقدامها على الدخول في نزاع مسلح يستمر طويلاً وتتكبد فيه خسائر بشرية هائلة[10]. ومهما يكن من أمر، فإنه يتعين التمييز بين اعتقاد صدام حسين بعدم رغبة الولايات المتحدة بالدخول في نزاع مسلح معه، وتحمل ما يترتب على مثل ذلك النـزاع من ضحايا من ناحية[11]، والوثائق والتقييمات العسكرية، التي كانت تشير إلى احتمال دخول الولايات المتحدة في حرب مع العراق من ناحية أُخرى. أشارت التقييمات العسكرية للوضع آنذاك، إلى احتمال وقوع الحرب حتى في شهر أغسطس 1990، وهو الشهر الأول لغزو العراقيين للكويت. وعندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في الثامن من أغسطس 1990، أنها سترسل قواتها إلى السعودية، ردت قيادة سلاح الجو العراقي بإصدار عدد من التعليمات المتعلقة بالتهديدات المعادية المحتملة، حيث أوعزت إلى قواتها ما يلي: "ستكون الحملة الجوية المعادية مكثفة جداً. وربما لن نستطيع القيام بأي هجمات جوية، وسيستخدم العدو التشويش الإلكتروني بمختلِف أنواعه". وتجدر الإشارة هنا إلى أن قيادة سلاح الجو العراقي لم تقدم إلا عدداً قليلاً من النصائح الدفاعية التكتيكية، في ظل التهديد الذي كان يتعرض له العراق، نظاماً وجيشاً. ولكنها أوصت بما يلي: ".....نوصيكم بمواجهة خطر العدوان بالهدوء وضبط النفس والتصرف الرصين". كما أوصت بـ"التعامل مع الأهداف المعادية وتدميرها فقط، في حال وجودها ضمن مجال الأسلحة المتوفرة، والاقتصاد في الذخائر والعتاد"[12]. لقد كان في تلك التعليمات ما يكفي من الدلائل التي أكدت أن العراق كان مقبلاً على حرب تختلف اختلافاً كلياً، عن حربه مع إيران، التي لم تكن الذخائر خلالها تشكل أي مشكلة، وكانت متوفرةً بكميات هائلة. وفي تقرير آخر صدر في اليوم نفسه, أصدرت القيادة العراقية أوامرها بتخبئة الطائرات في المطارات والملاجئ المخصصة لها[13]. يُستنتج من تلك الإجراءات أن العراقيين كانوا يمهدون لخوض حرب دفاعية ضد قوة عسكرية ساحقة. من ناحيتها، قدمت الاستخبارات العسكرية العراقية تقريراً عن تحركات القوات البحرية والبرية الأمريكية، أوردت فيه أنها استطاعت مراقبة التحركات التي كانت تقوم بها حاملة الطائرات الأمريكية "يو.اس.اس.انديبندنس"(USS Independence) ، كما أورد التقرير المذكـور مــا يلي: "لقد وصلت قواتهم البرية إلى المملكة العربية السعودية، وتمركزت بجوار مدينة الظهران. ستصل وحدة سلاح الجو الأمريكية "ايربورن (88 )"(Airborne 88th) ، في التاسع من الشهر الجاري، وستلتحق بها الوحدة "غرين بيريت(101)" (Green Beret 101st) في العاشر منه. نوصي باتخاذ إجراءات وقائية سريعة عبر نشر وحدات من قواتنا على سواحل الكويت؛ وسحب طائراتنا منها؛ وتركيز الدفاعات الجوية حول المصانع العسكرية ومحطات الكهرباء والمنشآت النفطية[14]. لقد توالت الدلائل التي أشارت إلى تبني القيادة العسكرية العراقية أسلوب الحرب الدفاعية. أضف إلى ذلك أنه أشير في بعض التقارير أيضاً، إلى احتمال تدخل القوات الجوية الإسرائيلية في تلك الحرب[15]. وفي تقرير ثالث ورد ما يلي: "إن حجم قوة العدو، يؤكد أنه قادر على تنفيذ هجمات جوية على نطاق المنطقة بكاملها وضرب أي موقع يختاره وفي الوقت الذي يحدده". ويُستشف من هذا التقرير أن الاستخبارات العسكرية العراقية، كانت تدرك مدى ضعف قواتها الجوية، بل قل عجزها النسبي في تلك الحرب. في العشرين من أغسطس من السنة نفسها، أفاد تقرير رابع للاستخبارات العسكرية العراقية، عن مراقبة تحركات حاملة الطائرات الأمريكية "كينيدي" (Kennedy)، كما تم الإبلاغ عن وجود قوات مصرية وباكستانية في السعودية[16]. كما تم تقديم أحد السيناريوهات المحتملة للحرب الأمريكية المتوقعة آنذاك، وجاء على النحو التالي:".... ستقوم القوات الجوية المعادية بضرب مناطق الكويت البعيدة عن خط المواجهة لقطع خطوط الإمداد؛ ثم سيتبع ذلك القصف الجوي هجوم بري واسع، بعد أن يكون العدو قد نجح في شل قواتنا المسلحة وتكبيدها أكبر قدر ممكن من الخسائر". يعترف التقرير المذكور باحتمال تعرض العراق للهجوم وتحديداً منطقتي صفوان والزبير الجنوبيتين، بالإضافة إلى احتمال تعرض الطريق الرابط بين الناصرية والبصرة للقصف الجوي، لقطع خط الانسحاب الرئيسي من الكويت. كما ورد في التقرير الأخير ما يلي: " ستشارك قوات سعودية وكويتية ومصرية، في المعارك التي ستعقب القصف الجوي، وسيستخدم العدو تقنياته الإلكترونية للتشويش على أنظمة اتصالاتنا وشل دفاعاتنا"[17]. تشير التقارير التي استعرضناها إلى أن المسؤولين العسكريين العراقيين كانوا يتوقعون هجوماً أمريكياً عليهم، ولكنهم لم يتكهـنوا بأي موعد محتمل لحدوث ذلك الهجوم. وقد قال حسنين هيكل، إنه عندما سمع صدام حسين بانتشار حاملات الطائرات الأمريكية على مقربة من منطقة الخليج العربي، تولدت لديه القناعة بأن الهجوم الأمريكي على العراق "واقع لا محالة"[18]. ومهما يكن من أمر، فإنه على الرغم من الحشود العسكرية الضخمة التي أُعدت لقتال صدام حسين، آثر الأخير الدفاع عن الكويت مهما كلـف الثمن على الانسحاب منها، لأنه أبى الظهور بمظهر الذليل في العالم العربي من ناحية، ولاعتقاده بأن دخول تلك الحرب يقطع الطريق على أي محاولة انقلاب محتملة من ناحية أخرى. لقد ورد في معظم الأبحاث والدراسات التي تناولت حرب الخليج الأولى، أن قوات التحالف كانت تخشى التعرض لهجوم عراقي بأسلحة الدمار الشامل[19]؛ غير أن تلك الدراسات أخفقت في إدراك أن مخاوف مماثلة، كانت تسيطر على الجانب العراقي أيضاً. لأن الوقائع أثبتت أن أحد جوانب استراتيجية الدفاع عن الكويت، تجسد عبر الاستعدادات لحرب ُتستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل. ففي الثالث والعشرين من أغسطس 1990، أفادت الاستخبارات الأمريكية بأن آليات عراقية مزودة بتجهزات لإزالة التلوث الذي تحدثه أسلحة الدمار الشامل، توجهت إلى جبهة القتال[20]. كما أشارت إلى أن العراقيين، ربما كانوا سيبادرون بهجوم كيميائي. لقد تأكد أن تلك التوقعات كانت خاطئة، عند الاطلاع على الوثائق العراقية. وفي الحقيقة، أرسل العراقيون تلك الآليات إلى خطوط الجبهة، لأنهم كانوا يتوقعون هجوماً أمريكياً بأسلحة غير تقليدية. من بين الوثائق التي عثر عليها كتيب عراقي بعنوان: "كيف تحمي الوطن من الأعداء الذين يستعدون لشن هجمة غاشمة على بلدنا الحبيب؟"[21]، تضمن ذلك الكــتـيب التحذير التالي:" لقد أبلغتنا الاستخبارات العسكرية عن وجود ما يشير إلى امتلاك التحالف الصهيوني ـ الأمريكي لأسلحة كيميائية، وإلى وجود نية لدى العدو لإستخدام تلك الأسلحة بهدف تكبيدنا القدر الأكبر من الخسائر في الأرواح لإعاقة الإستعدادات الجارية"[22]. في التاسع والعشرين من أكتوبر من العام نفسه، أصدر رئيس هيئة الأركان إلى جميع القطاعات العسكرية العراقية، تعليمات تتعلق بالتهديد الناجم عن احتمال استخدام قوات التحالف للسلاح النووي، كما أصدر تعليمات احترازية عديدة أمر بتنفيذها. لقد كانت تعليمات القيادة العراقية بسيطة للغاية، لأنها اقتصرت على إصدار الأوامر إلى الجيش بتدمير جميع طائرات وصواريخ العدو التي تدخل المجال الجوي العراقي، كما أوصت بعدم تركيز الإمدادات في منطقة واحدة تجنباًً لتكبد خسائر فادحة؛ كما حثت الجيش على شق طرق بديلة لاستخدامها في حال وقوع أي هجوم نووي عليه. وتلقى قادة الوحدات تعليمات باستخدام ساعات ميكانيكية بدلاً من الساعات الإلكترونية، والبقاء بعيداً عن نقطة الصفر [مسافة لا تقل عن ألف متر][23]. وفي اتصال لاسلكي آخر، طلب البحث في آثار الإشعاعات الكهرومغناطيسية على أجهزة الاتصالات اللاسلكية والأجهزة الإلكترونية الأخرى[24]. وفي الرابع عشر من نوفمبر، تلقـت قوات سلاح الجو العراقي التحذير التالي: "وصلت إلينا معلومات تؤكـد أن الهجوم الأمريكي المرتقب سيقع في ليلة الخامس عشر من نوفمبر 1990، وسيطلق على هذه الليلة اسم: "الليلة السوداء". سيستخدم الأمريكيون قنابل تنفجر على ارتفاع عشرة كيلومترات، مولدةً موجات كهرومغناطيسية تعطل الرادارات وأجهزة الاتصالات اللاسلكية. الرجاء التزام كامل الحيطة والحذر"[25]. في الثالث من أكتوبر، عقد صدام حسين اجتماعاً مع قادته العسكريين, أفيد بأنه قال فيه ما يلي: "لكل سلاح مهما بلغ مدى تطوره، عيوب ونقاط ضعف يمكن استغلالها. يعتمد الأمريكيون على تفوقهم التكنولوجي، ولتجاوز هذه العقبة التكنولوجية، علينا إخفاء أشياء تحت الأرض (أسلحة ومعدات وذخائر وعتاد وسواها....)، ويجب علينا أيضاً أن نتحلى بالمرونة وضبط النفس. وللتقليل من خسائرنا علينا دراسة خصائص ومزايا أسلحة العدو، ومواجهتها بأبسط الوسائل الممكنة، (كاستخدام الدخان أو إحداث غبار). احرصوا على مقاتلينا، لأن أساس النصر هو بناء علاقة إنسانية أخوية بينكم"[26]. في السابع عشر من أكتوبر، قام جنرال عراقي بتوزيع مجموعة من التعليمات العسكرية الصادرة عن الرئيس القائد صدام حسين تحت عنوان: "وجوه الاختلاف بين محاربة الأمريكيين ومحاربة الإيرانيين", وكان هناك تعقيب ورد فيه: "القتال ضد الامريكيين مختلف ...... بسبب اختلاف نوعية أسلحتهم. سيكونون قادرين على تحديد أهدافهم بدقة، ويجب عليهم فعل ذلك أيضاً لأنهم يرغبون باستخدام النفط بعد انتهاء العدوان". كان الجنرال المذكور تلقى تعليمات بتحذير المقاتلين من فاعلية الأسلحة الأمريكية مع عدم المبالغة، تجنباً لبث الرعب في نفوسهم. ومن ضمن التعليمات التي تلقاها الجنرال المذكور ما يلي: "أخبرْهم بأن عدونا ليست له أي قضية حقيقية، أو أي خبرة قتالية سابقة، وأن مفهومهم للحرب يستند إلى تكبدهم أقل عدد ممكن من الخسائر البشرية، وهذا يصب في مصلحة الجندي العراقي. يعتقد الأمريكيون أنه لن يبقى منا أحد بعد انتهائهم من حملتهم الجوية، ولكنهم سيكتشفون أنه سيبقى منا الكثيرون لمقاومتهم"[27]. وأخيراً، في التاسع والعشرين من نوفمبر، أمر الرئيس القائد صدام حسين بما يلي: "على الرغم من أن تاريخ الخامس عشر مـن يناير 1991، هو موعد مجلس الأمن النهائي لتنفيذ قراره ذي الصلة، قد يقوم العدو بغزونا قبل ذلك الموعد، مفترضاً أن العراقيين سيؤخذون على حين غرة. لذلك يجب على كل واحد منا التزام كامل الحيطة والحذر. ينفذ هذا القرار فوراً"[28].
تصور لـعـراق ذي قدرات نـووية يُمكن استنتاج الكثير عبر الوثائق القليلة التي أوردناها، عن العقلية الأمنية العراقية أثناء احتلال العراقيين للكويت، وحتى بداية العمليات العسكرية. الاستنتاج الأول يتمثل في أن العراقيين كانوا يتوقعون هجوماً أمريكياً في أي لحـظة اعتباراً من شهـر أغسطس 1990. إلى ذلك، فإذا كان العراقيون يعتقدون بأن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك الجرأة لمهاجمتهم في تلك اللحظة التاريخية، لا بد أنهم أدركوا أن ترسانتهم من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، لم تكن كافية لردع الأمريكيين بنجاح. ولو كان العراق يمتلك قدرات نووية في ذلك الوقت، لكانت التقارير العراقية اتسمت بقدر أكبر من الثقة، عند تفييم قدرة العراق على مواجهة الهجوم الأمريكي. إلا أن حذر العراقيين الشديد من هجوم أمريكي ـ إسرائيلي بأسلحة دمار شامل, دليل على الخوف الشديد الذي كان يسيطر على النظام العراقي وجيشه، جراء احتمال تعرضهم لهجمات بالأسلحة الكيميائية أو النووية. ومن الممكن التساؤل عما إذا كان لهذا الخوف أن يكون أقل مما كان عليه، لو كان العراق يمتلك وسائل عسكرية تمكِّنه من صد "المؤامرة الأمريكية ـ الصهيونية". فالنصيحة الوحيدة التي استطاع النظام العراقي توجيهها إلى قواته المسلحة كانت الحفاظ على الهدوء عند مواجهة ذلك التهديد الأمريكي. كما جرى تذكير الجيش العراقي مرات عدة بأن قوات التحالف كانت تشكل تهديداً مختلفاً عن التهديد الإيراني خلال ثمانينيات القرن الماضي. لقد تضمنت الوثائق التي أوردناها قاسماً مشتركاً مغزاه: اعتراف العراقيين بالتفوق التكنولوجي للولايات المتحدة وحلفائها على العراق. وبالرغم من عدم التحدث بشكل صريح عن مفهومهم للتفوق التكنولوجي الهائل لقوات التحالف على العراق, فإن العراقيين كانوا يقصدون بذلك شيئاً واحداً فقط، وهو القدرات النووية للولايات المتحدة الأمريكية. وكان لاعتراف العراقيين بذلك التفوق على مشارف اندلاع حرب وشيكة تأثيرٌ كبيرٌ في معنويات جيشهم. ولو أن العراق كان يمتلك أسلحة نووية في ذلك الوقت، لأدى ذلك على الأقل إلى رفع معنويات جيشه. إن الورقة الوحيدة التي كانت بيد صدام حسين في حربه مع الولايات المتحدة، كانت إدراكه بأن الأمريكيين غير قادرين على تحمل خسائر بشرية كبيرة, لاعتقاده بأنهم كانوا يعانون من"عقدة فيتنام". لم يقدم قادة صدام العسكريون أي خطة تكتيكية، ولكنهم أمروا جيشهم بإيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف الأعداء. ولو أن النظام العراقي كان يمتلك السلاح النووي، لازدادت قدرته على إيقاع خسائر بشرية في صفوف الأمريكيين بشكل هائل، ولكانت ظاهرة عدم الثقة والشكوك في قوة العراقيين العسكرية التي شهدناها في عامي 1990 و1991، تميزت بطبيعة أخرى مختلفة اختلافاً تاماً. إن امتلاك العراق للسلاح النووي كان من شأنه، أن يعزز ويقوي إرادة الصمود والمواجهة لدى النظام العراقي وقواته المسلحة بشكل كبير جداً. لنطرح السؤال التالي: هل كان من الممكن أن تبرز أي قوات تحالف لمحاربة العراق بقيادة الولايات المتحدة، لو كان العراق يمتلك القدرة على ضربها بأسلحة نووية؟ أضف إلى ذلك أن من أهم الحقائق في هذا السياق, موافقة المملكة العربية السعودية على ضرب العراق انطلاقاً من أراضيها.... هل كان للمملكة العربية السعودية أن توافق على ذلك لو أنها كانت تعلم بأن مدينة الرياض كانت سُتدمر بقنبلة نووية عراقية؟ لقد عاشت المملكة العربية السعودية حالة من الذعر والفزع لأن العراق أعلن الجهاد ضدها. ومما لا شك فيه، أن تهديداً نووياً عراقياً كان سيؤدي إلى نتائج أسوأ من تلك التي حدثت، إثر إعلان عراق غير نووي الجهاد ضد السعودية. ومن المؤكد أن دولاً كسوريا والمغرب ومصر، التي شاركت جميعها في التحالف العربي ضد العراق، كانت ستمتنع عن القيام بذلك لو أن العراق كان يمتلك أسلحة نووية. والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل كان للولايات المتحدة أن تقدم على حرب ضد عراق ذي قدرات نووية، مع عدم إغفال حقيقة أن أحد أهداف الولايات المتحدة من وراء تحرير الكويت، كان حماية نفط الخليج, وأن عراقاً بقدرات نووية كان سيستطيع سحق تلك الموارد التي حاولت الولايات التحدة حمايتها؟ لو أن العراق كان يمتلك قدرات نووية رادعة، لربما أمكن التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة بدلاً من اللجوء إلى حلها بالقوة العسكرية، ولكان تسنى للنظام العراقي دخول أي مفاوضات من موقع قوة، الأمر الذي كان سيؤدي بالأسرة الدولية إلى الموافقة على ضم العراق للكويت لتصبح محافظتها التاسعة عشرة. وفي حال نجاح العراق في تحقيق ذلك الهدف، كان سيمكن له أن يفرض على دول الخليج كميات النفط التي يجب عليها إنتاجها. والأهم من ذلك كله، هو فرض العراق لأسعار النفط العالمية، وتحكمه بمصير الاقتصاد العالمي. الاســـــــــتنتاجـــــــات
في حين يبدو أن خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية لم يعد قائماً بالنسبة لأمن أوروبا. إلا أن ذلك الخطر يظل مسألة هامة تستحق الدراسة والتحليل، كنموذج لدولة شرق أوسطية سعت إلى امتلاك تلك الأسلحة. لقد خاطر العراق كثيراً ولم يألُ جهداً في سبيل الحصول على أسلحة الدمار الشامل، حتى بعد الهجوم الجوي الإسرائيلي على مفاعل تموز في عام 1981. لقد أثبتت أسلحة الدمار الشامل فاعليتها في صد الأمواج البشرية الإيرانية التي كانت تهاجم العراق، وعززت القدرت القتالية للقوات العراقية في أرض المعركة؛ كما أنها سهـلت القضاء على التمرد الكردي الذي وقع في شمال العراق. لو أن صدام حسين نجح في تطوير سلاح نووي، لكان من المؤكد اتخاذ غزوه للكويت نهاية مغايرة لتلك التي نعرفها. إن النهاية التي عرفها غزو العراق للكويت، تثير عدداً من الأسئلة التي تقلق الدول المجاورة للعراق، ومنها: هل سيشهد الشرق الأوسط بعد غياب صدام محاولات سورية لتطوير أسلحة نووية كي تتمكن سوريا من قيادة العالم العربي على أساس الندية الاستراتيجية مع إسرائيل؟ وهل ستواصل سوريا أو إيران تطوير أسلحة الدمار الشامل من أجل القضاء على أي تمرد داخلي محتمل؟ هل بعد أن رأت إيران جارها العراق يُسحق في شهر واحد فقط، أصبحت تؤمن بضرورة بذل جميع الجهود الممكنة للحصول على السلاح النووي، لكونه الأداة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، لردع الولايات المتحدة عن غزوها، كما سبق لها أن غزت العراق؟ لقد أرسل سحق النظام العراقي نتيجة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية ضده، والذي تم في شهر ابريل 2003، أرسل إلى دول شرق أوسطية أخرى إشارات هامة، تنطوي على التأكيد على عدم قدرة جيوشها على مواجهة القوات الأمريكية. ولو تأملت هذه الدول في مصير العراق والنظام الذي كان يحكمه، لربما آمنت كثير منها بأن الخيار النووي هو وحده الكفيل بنجاة أنظمتها من أي غزو أمريكي محتمل. في حين تبدو مسألة أسلحة الدمار الشامل العراقية ملفاً مقفلاًً، فإن هنالك قضايا عديدة متعلقة بها ربما ستؤثر في أمن أوروبا والولايات المتحدة. لنطرح الآن السؤال التالي: هل أعلن العراق عن جميع أسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزته؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فهل تسيطر على تلك الأسلحة عناصر موالية لصدام حسين؟ إذا كان هؤلاء الأشخاص هم من يسيطرون بالفعل على تلك الأسلحة، فسيظل الاحتمال قائماً بوقوع تلك الأسلحة في أيدي الإرهابيين الذين لن يتورعوا عن استخدامها ضد أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية.
نبذة عن الكاتب * الدكتور المرعشي حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد وهو زميل دراسات ما بعد الدكتوراه بجامعة سابانسي Sabanci University. ساهم الدكتور المرعشي في مشروع تبناه مركز الدراسات الشرق أوسطية التابع لجامعة هارفارد والخاص بدراسة الوثائق والسجلات العراقية التي تم الحصول عليها. كما عمل باحثاً متخصصاً في شؤون العلاقات العراقية ـ الإيرانية بوزارة الخارجية الأمريكية. وعمل أيضاً بدائرة الأبحاث التابعة للكونغرس الدافع الوطني. شغل الدكتور المرعشي وظيفة محاضر بالكلية العليا للبحرية الأمريكية وباحثاً مشاركاً بمركز دراسات الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
الهوامش [1] These documents can be viewed on the Iraq Research and Documentation (IRDP) website <http://www.fas.harvard.edu/~irdp>, run by the Iraq Foundation, in Washington, D.C. For other works using these archives in MERIA Journal, see Robert Rabil, "Operation Termination of Traitors: Iraq's Anti-Kurdish Campaign, " Vol. 6, No. 3 (September 2002) and Robert G. Rabil, "The Iraqi Opposition's Evolution: From Conflict to Unity? " Vol. 6, No. 4 (December 2002). [2] For an extensive discussion of this subject, see Ibrahim al-Marashi, "Iraq's Security and Intelligence Network: A Guide and Analysis," MERIA Journal, Vol. 6, No. 3 (September 2002). [3] Kuwait Data Set (KDS) Folder CD 10 File 108-10-039, p. 1-19. [4] Hamza's comments can be found at the Federation of American Scientist's website, Iraq section http://www.fas.org . [5] IRDP, Northern Iraq Data Set (NIDS)- 657500. [6] See Eric Stover, Unquiet Graves: The Search for the Disappeared in Iraqi Kurdistan (Physicians for Human Rights: Middle East Watch, 1992). [7] For a partial transcript of his speech, see: Human Rights Watch, Genocide in Iraq: The Anfal Campaign against the Kurds (New York: Human Rights Watch, 1993), p. 349. [8] IRDP-NIDS-856513. [9] M.J. Mazarr, D.M. Snider, and J. A. Blackwell, Jr. (eds.), Desert Storm: The Gulf War and What We Learned (Boulder, CO: Westview Press, 1993), p.77. [10] Bishara A. Bahbah, "The Crisis in the Gulf: Why Iraq Invaded Kuwait," in Phyllis Bennis and Michel Moushabeck (eds.), Beyond the Storm: A Gulf Crisis Reader (New York: Olive Branch Press, 1991), p. 54. [11] Janice Gross Stein, "Deterrence and Compellence in the Gulf, 1990-91," International Security, Vol. 17, No. 2 (Fall 1992), p. 175. [12] KDS Folder CD 10 File 108-10- 001, p. 50. [13] Ibid. [14] Ibid., p. 68. [15] Ibid., p. 72. [16] KDS Folder 90809 File 124-6- 009, p. 84. [17] Ibid., p. 86. [18] M. Heikal, Illusions of Triumph: An Arab View of the Gulf War (London: HarperCollins, 1992), p. 224. [19] See, for example, Mazarr, et. al, p. 124, who wrote, " Many coalition ground officers also feared that Hussein would use chemical weapons during the decisive ground battles to come." [20] Kevin Don Hutchinson, Operation Desert Shield/Desert Storm: Chronology and Fact Book, (Westport and London: Greenwood, 1995), p. 20. [21] KDS Folder CD 9 File 104-6-015, p.6. [22] Ibid. [23] KDS Folder CD 07 File 096-4-008a, p. 12. [24] Ibid., p. 13. [25] KDS Folder CD 06 File 096-14-003, p. 19. [26] KDS Folder CD 10 File 111-9-005, p.4-6. [27] KDS Folder 90809 File 500-1-15, p. 2. [28] KDS Folder CD 19 File 135-4-004, p.32.
|