|
مقاطعة الانتخابات والائتلافات وتهديد العنف:
التحضير للانتخابات العراقية في يناير 2005
إبراهيم المرعشي
صدر هذا المقال في المجلّد التاسع،
العدد الأول،
سبتمبر 2005،
مجلة الشرق الأوسط للشؤون
الدولية
© 2005 MERIA،
ويقوم مركز الخليج للأبحاث بترجمته ونشره باللغة العربية بناءً على اتفاق
مع مجلة الشرق الأوسط للشؤون الدولية.
جميع حقوق الترجمة محفوظة لمركز الخليج للأبحاث 2004
©
Boycotts, Coalitions and the Threat of
Violence:
The Run-Up to the January 2005, Iraqi Elections
By
Ibrahim al-Marashi
Source: Middle East Review of
International Affairs (MERIA)
Volume 9, Issue 1 (January 2005)
This article was originally published in
English by MERIA and has been translated and re-published in Arabic by
Gulf Research Center through
arrangement with MERIA.
English Version © 2005 MERIA
Arabic Translation and Version © 2005
Gulf Research Center
All rights reserved.
مقاطعة
الانتخابات والائتلافات وتهديد العنف:
التحضير للانتخابات العراقية في يناير 2005
إبراهيم المرعشي
تُعتبر الانتخابات البرلمانية العراقية المقررة في
الثلاثين من
يناير 2005 أحد أهم الأحداث في تاريخ العراق الحديث. فلقد تطلب هذا الحدث
آلية سياسية جديدة بالكامل، وتشكيل أحزاب سياسية، والتعاطي مع مشاكل أمنية
عويصة. كما أن فشل أو نجاح هذه الانتخابات سيكون له أثر عظيم في السياسة
الأمريكية والنظام السياسي العربي. ويعمل هذا المقال على تحليل عملية تنظيم
الانتخابات والحملات والقوى السياسية الناشئة في العراق.
لقد أدت انتخابات الثلاثين من يناير 2005 في العراق إلى تنظيم القوى
السياسية هناك لحقبة ما بعد صدام. وفي حين يتطلع العراقيون عموماً إلى
الانتقال من الحكومة المؤقتة إلى نظام منتخب وطنياً، فقد كان هناك كثير من
العقبات في وجه نجاح الانتخابات، منها انعدام الأمن الداخلي وعدم كفاية
الضمانات التي تحمي عمليات التصويت؛ ومقاطعة السنة العرب؛ ونقص ثقافة
الناخبين؛ ومحدودية الخيارات المتاحة للأحزاب التي لا تقوم على منابر
طائفية أو عرقية.
ومع هذا، فقد كانت التوقعات مرتفعة، ليس للعراق على المستوى الإقليمي فحسب،
بل وحتى على المستوى العالمي. فبعدما وضعت حرب عام 2003 في العراق أوزارها،
صرح الرئيس جورج بوش بأن الولايات المتحدة تؤكد أن العراق سيمثل نموذجاً
لنجاح الديمقراطية في قلب الشرق الأوسط العربي. وأخذت الدول العربية
وشعوبها أيضاً تراقب الانتخابات، لا لترى اتجاه العراق نفسه فحسب، بل
كنموذج أو تهديد محتمل لبنية بلدانها هي أيضاً.
وشهدت البلاد في الأشهر السابقة للانتخابات تعبئة للشيعة والأكراد والسنة
في العراق، إضافة إلى بضعة أحزاب أخرى تتبنى أجندة غير طائفية وغير عرقية.
وحاولت الحكومة المؤقتة، التي يسيطر عليها الشيعة العرب والأكراد، أن تحدث
نوعاً من التوازن في التعاون مع الولايات المتحدة لتظهر أن بإمكانها أن
تحكم على نحو مستقل دون تدخل أمريكي. أما السنة العرب في معظمهم فقد عجزوا
عن الانخراط في إدارة ما بعد صدام بعدما خسروا السيطرة على الدولة التي
حظوا بها على مدى عقود. وفي حين أراد الشيعة والأكراد المشاركة في
الانتخابات ـ مدركين أنهم سيخرجون منها على الأرجح بقوة وسلطة يستخدمونها
بعد ذلك لإنهاء الاحتلال الأمريكي ـ أعلن السنة عن مقاطعتهم لهذه
الانتخابات.
ولا تعتبر الانتخابات مفهوماً جديداً بالكلية في العراق. فالملـَـكـيـة
الهاشمية التي حكمت العراق من عام 1921 وحتى عام 1958، تبنت نظاماً
برلمانياً مبنياً على نظام حكامه الاستعماريين البريطانيين1.
وكانت هناك أحزاب سياسية معارضة، وكان يُسمح بالجدل والحوار السياسي داخل
البرلمان. وقبل الإطاحة بالحكم الملكي، كانت هناك صحافة حرة نسبياً، وكان
عدد الجرائد يقترب من ثلاث وعشرين جريدة مستقلة في مدن العراق الكبرى2.
غير أن هذه الملكية اعتُبرت شديدة التساهل والمرونة تُجاه "المطالب
الإمبريالية" البريطانية، وما ظهر بعدها كان سلسلة من "الديكتاتوريات
المتعاقبة" التي شهدها العراق في خمسينيات وستينيات القرن العشرين3.
وعندما جاء صدام حسين إلى السلطة كنائب للرئيس من خلال الانقلاب العسكري في
عام 1968، عمل خلف الكواليس على القضاء على كل معارضة سياسية في وجه حزبه،
حزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد توليه السلطة الرئاسية في عام 1979، قام
بتنظيم انتخابات، لكنه كان هو المرشح الوحيد فيها.
إطلالة على عملية الانتخابات العراقية
في الثامن من يونيو 2004، أعطى قرار مجلس الأمن رقم 1546 موافقة إجماعية
على نقل السيادة إلى الحكومة العراقية الجديدة والمصادقة على انتخابات
يناير لتشكيل جمعية وطنية انتقالية. وتم إعداد الدستور العراقي المؤقت،
المعروف بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي تم اعتماده في مارس 2004، ليمثل
دستوراً مؤقتاً عند استلام الحكومة المؤقتة السلطة في الثامن والعشرين من
يونيو 2004.
عملية التسجيل
بدأ الجدول الزمني للانتخابات أوائل نوفمبر 2004 بعملية تسجيل الناخبين.
وبدأت الحملات السياسية في ديسمبر 20044.
وبعد انتهاء التصويت في انتخابات الحادي والثلاثين من يناير 2004، يُفترض
أن تحل "حكومة عراقية انتقالية" مكان "الحكومة العراقية المؤقتة" التي تولت
السلطة في الثلاثين من يونيو 2004.
ولكل عراقي يتمتع بالمواطنة العراقية الحق في التصويت، ذكراً كان أم أنثى،
شريطة أن يكون قد وُلد قبل تاريخ الأول من يناير 1987. وتتم عملية تسجيل
الناخبين على أساس قوائم مخصصات برنامج "النفط مقابل الغذاء" التي نظمتها
الأمم المتحدة. وتم اعتماد هذا النظام لعدم كفاية الوقت لإجراء إحصاء رسمي
للسكان. ويحصل العراقيون على طلبات تسجيلهم من وكلاء بطاقات مخصصاتهم5.
ويمتلك العراقيون أيضاً خيار تحديث أو تصحيح المعلومات الواردة في هذا
النظام إذا اقتضى الأمر ذلك6.
اللجنة الانتخابية المستقلة
أكد قرارا مجلس الأمن رقم 1483 ورقم 1511 "حق الشعب العراقي في تحديد
مستقبله السياسي بكامل حريته"7.
وقد أوكل إلى لجنة انتخابات مستقلة معينة من قبل الأمم المتحدة، وتتألف من
ثمانية أعضاء، سبعة منهم مواطنون عراقيون، إضافة إلى خبير دولي، مهمة تحديد
الإجراءات الانتخابية والإشراف على سيرها. وجاء النص على مهمات اللجنة على
النحو التالي:
1.
تعيين قوائم الناخبين وتأسيسها وتطويرها والمصادقة عليها والمحافظة عليها.
2.
المساعدة على بناء دعم وثقة اجتماعيين للعملية الانتخابية في أنحاء العراق.
3.
تنظيم وتسيير عملية التسجيل وعملية المصادقة على الأحزاب السياسية.
4.
تنظيم وتسيير عملية التسجيل وعملية المصادقة على المترشحين للمناصب.
5.
إجازة مراقبي الانتخابات وغيرهم من الموظفين المضطلعين بعملية ضبط و/أو
مراقبة الانتخابات في العراق.
6.
إدارة عملية تسجيل أسماء المقترعين وتنظيم جداول الاقتراع.
7.
الفصل في الشكاوى والخلافات الانتخابية.
8.
المصادقة على نتائج الانتخابات.
ولا بد لكل منظمة أو حزب سياسي من أن يحصل على موافقة اللجنة باعتباره
"كياناً سياسياً" قبل أن يتمكن من تسمية مرشحيه للانتخابات. وبإمكان هذه
الكيانات أن تقدم قائمة تـتـراوح بين اثني عشر ومائتين وخمسة وسبعين مرشحاً
لجميع مقاعد الجمعية الوطنية.
الدوائر الانتخابية ونظام القوائم
يمثل العراق دائرة انتخابية واحدة في انتخابات الجمعية الوطنية، لأن منظمي
الانتخابات يأملون بأن توفر هذه الطريقة تمثيلاً لجماعات ذات مصالح أكثر
تبايناً بكثير9.
وبالتالي، فإن جميع الناخبين في الدولة سيكون لديهم قائمة المرشحين ذاتها
للاختيار منها بدل أن يكون لكل مقاطعة أوراق انتخابية مختلفة10.
وقد أعربت صحيفة الحزب الشيوعي العراقي عن ميزة مثل هذه الطريقة ذات
الدائرة الانتخابية الوحيدة بقولها: "إن التمثيل النسبي وكون العراق دائرة
انتخابية واحدة يعني أنه لن يكون هناك نسبة عالية محدودة للفوز ودخول
البرلمان غير الحصول على العدد اللازم من الأصوات للفوز بمقعد واحد.
وبتقسيمنا لعدد الأصوات على مائتين وخمسة وسبعين نحصل على عدد الأصوات
اللازم للحصول على مقعد واحد"11.
أي بتعبير آخر، إن الانتخابات، بدل أن تعتمد على نظام "الفائز يأخذ كل
شيء"، مصممة بحيث تضمن إمكانية انتخاب أي شريحة سياسية أو مرشح مستقل
للجمعية إذا حصل أو حصلت على العدد المطلوب من الأصوات.
كما أشارت لجنة الانتخابات إلى أن هذا النظام يسمح أيضاً لـ"المجموعات
والجماعات" إضافة إلى الأحزاب السياسية أن تقدم قوائمها ويجعل في الوقت
نفسه خوض الانتخابات بالنسبة للمرشحين المستقلين أمراً أكثر سهولة12.
وينبغي أن تؤلف المرشحات من النساء ربع كل قائمة على الأقل. ولا يسمح
بترشيح أي شخص كان مسؤولاً بارزاً في حزب البعث أو له ارتباطات بأي مجموعة
تمرد عراقية. بيد أن البعثيين الذين لم يرتكبوا أي أعمال عدوانية ضد الشعب
العراقي يمكنهم أن يرشحوا أنفسهم.
الجمعية الوطنية
يسعى المرشحون العراقيون في هذه القوائم إلى أن يتم انتخابهم للجمعية
الوطنية الانتقالية المؤلفة من مائتين وخمسة وسبعين عضواً. وفي الشمال،
ستُجرى انتخابات منفصلة في الوقت نفسه للمرشحين الذين يخوضون انتخابات
الجمعية الوطنية المحلية في كردستان العراق. وهذه الجمعية الانتقالية هي من
سيختار لاحقاً رئيس الوزراء والرئيس ونائبي الرئيس والوزراء الآخرين13.
وتتضمن مهمات الجمعية الوطنية الجديدة وضع مسودة لدستور عراقي دائم يُعرض
بعد ذلك للاستفتاء العام للموافقة عليه. وتتم المصادقة على الدستور إذا حصل
على موافقة أغلبية المقترعين في العراق في أكتوبر 200514.
وإذا صوت العراقيون لصالح الدستور، تجري انتخابات جديدة بعد شهرين من ذلك.
أما إذا فشلت مسودة الدستور في الحصول على الأصوات اللازمة فيتم حل الجمعية
الوطنية الانتقالية وتنتخب جمعية جديدة لوضع دستور آخر. ويمكن أن يحدث مثل
هذا السيناريو إذا اعترض ثلثا سكان ثلاث محافظات على محتويات مسودة
الدستور. كما أن الأكراد المسيطرين في المحافظات الشمالية الثلاث، دهوك
والسليمانية وأربيل يمكنهم أن يعترضوا على الدستور باستخدام حق الفيتو إذا
لم يلب مطالبهم في الحكم الذاتي أو الفيدرالية15.
وتقوم الجمعية الوطنية بأغلبية ثلثي أعضائها بانتخاب رئيس للدولة ونائبين
له ليشكلا مجلساً رئاسياً. ثم يقوم المجلس الرئاسي بتسمية رئيس للوزراء
يقوم بدوره باختيار أفراد حكومته. وسيكون لهذه الجمعية سلطة الموافقة على
الأعمال العسكرية لقوات الدفاع العراقية، إضافة إلى المصادقة على الميزانية
ووضع مسودات القوانين16.
التعبئة والمقاطعات
إن المفهوم الحالي لطبيعة المجتمع العراقي هو أنه يتألف من ثلاث فئات، هي
الشيعة العرب والسنة العرب والأكراد الإثنيون. بيد أن تقسيم العراق إلى هذه
الوحدات المتمايزة الثلاث يحتوي على شيء غير قليل من التبسيط. فهناك درجة
ما من اللحمة أو الإحساس "بالمواطنة العراقية" الذي لا يزال قائماً حتى
اليوم بين مختـلِـف الجماعات الإثنية والطائفية في العراق. ومع هذا، تعمل
الأقسام التالية في هذا التحليل على دراسة مختـلِـف الأحزاب السياسية في
العراق على الخطين الإثني والديني وكيف عبأت هذه الأحزاب نفسها للانتخابات.
الشيعة
كانت الأحزاب الشيعية أقوى المناصرين لإجراء الانتخابات في موعدها. ويُذكر
أنه منذ قيام الدولة العراقية، ظل الشيعة مستبعدين عن مناصب السلطة العليا
على الرغم من أنهم يشكلون الأغلبية في الدولة. وتمثل هذه الانتخابات أول
فرصة لهم للاستيلاء على دفة السياسة في العراق.
ويُعتبر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق17
منظمة مدعومة إيرانياً أسست في عام 1982 كجماعة تنضوي تحت مظلتها الجماعات
الشيعية المناهضة لصدام. ويُعد جناحه المسلح، المعروف بفيلق بدر، أكبر
الميليشيات الشيعية وأكثرها تنظيماً، ويُقدر تعداد قواته بما بين
عشرة آلاف وعشرين ألف
رجل. وكان يقوده آية الله محمد باقر الحكيم الذي قُـتـل في النجف بانفجار
سيارة ملغومة بعد إلقائه خطبة الجمعة في أغسطس 2003. وبعد وفاته، تولى أخوه
عبد العزيز الحكيم زعامة الحزب.
ولقد شجع المجلس الأعلى الجمهور الشيعي على المشاركة في الانتخابات
باستخدام الوصايا والتعاليم الدينية. فقد نشرت الصحيفة التابعة له، على
سبيل المثال، على صدر صفحتها الأولى اقتباساً عن آية الله العظمى محمد
إسحاق الفياض يصف فيه إجراء الانتخابات في موعدها بأنه "خطوة في الاتجاه
الصحيح"18.
وسلط مقال آخر في الصفحة الأولى الضوء على بيان أصدره آية الله السيد كاظم
الحائري يحض فيه العراقيين على المشاركة في الانتخابات القادمة "لإحباط
مخططات الأعداء"19.
وربما يكون أهم ما ظهر في هذا الشأن التعليقات المتكررة الصادرة عن آية
الله العظمى السيد علي السيستاني؛ من أبرزها دعوته التي قال فيها "إنه حتى
الشيوخ والعجائز الذين يحتاجون إلى العون من الآخرين ليسيروا، عليهم أن
يشاركوا في الانتخابات القادمة"20.
كما أن حركة حزب الله العراقي، وهي فرع من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية
في العراق، لعبت دوراً فاعلاً في تعبئة الشيعة للانتخابات، مؤكدة أن
الانتخابات، ستسرع مغادرة قوات الاحتلال21.
وهناك مقتدى الصدر، رجل الدين الشاب ابن الثلاثين ربيعاً، الذي ورث مكانة
أبيه كرجل دين شيعي بارز معارض لحكم صدام حسين. وقد قُـتـل أبوه آية الله
محمد صادق الصدر مع اثنين من أبنائه في عام 1999 وتُـتـهـم بقتلهم حكومة
صدام حسين. وبعد بضع سنوات من الاختباء، عاد مقتدى الصدر للظهور في النجف
عندما استولى الجيش الأمريكي على المدينة في إبريل 2003. ولم يشكل مقتدى
حزباً سياسياً متماسكاً قائماً بحد ذاته، لكنه ظهر كقوة سياسية يُحسب لها
حسابها، لاسيما بعد تعبئته للميليشيا المعروفة باسم جيش المهدي لمواجهة
القوات الأمريكية في النجف وحي مدينة الصدر في بغداد.
وازدادت شعبيته ازدياداً كبيراً بعد مواجهته للقوات الأمريكية في إبريل
2004. فعندما سئل العراقيون "بأي زعيم وطني تثقون أكثر؟" لم يذكر اسم مقتدى
الصدر إلا 1.5 في المائة من المشاركين في استطلاع الرأي الذي أُجري في
فبراير 2004. إلا أن هذا الرقم قفز بحلول يونيو 2004 إلى 7.4 في المائة.
وعلى الرغم من أن هذا الرقم قد لا يبدو مرتفعاً، لكنه يمثل أعلى قفزة في
شعبية أي شخصية سياسية عراقية. واستثماراً لهذا التوجه، وافق الصدر على وقف
حملته المسلحة والمشاركة في العملية السياسية. وفي أكتوبر 2004، بدأ المكتب
السياسي لحركة الصدر مفاوضات مع قوى سياسية أخرى للتحضير للانتخابات22.
وأعلن المكتب عن نيته تعبئة أتباعه، لكنه أصر على أن الصدر نفسه لن يكون
مرشحاً23.
وتتهم جماعته الولايات المتحدة باعتقال أتباعه لتقويض مشاركتهم السياسية24.
أما المؤتمر الوطني العراقي فقد تم تشكيله بداية كمنظمة تنضوي تحت مظلتها
جماعة معارضة مختلفة، تضم معارضين لنظام صدام من الأكراد والشيعة والسنة.
ودعا زعيمه أحمد الچلبي إلى إقامة عراق علماني ديمقراطي تعددي مع الحفاظ في
الوقت نفسه على وحدة أراضيه. وفي حين كان أحمد الچلبي ذات يوم يحظى باهتمام
المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنه لم يكن محبباً لدى وكالات
الحكومة الأمريكية الأخرى، ثم إنه اتُهم في واشنطن بتسريب معلومات
استخبارية لإيران. واستخدم الچلبي خلفيته الشيعية لكسب دعم الأغلبية
العراقية، محاولاً استثمار شعبية حركة الصدر، وذلك بتشكيل تنظيم مشترك في
يوليو 2004 عُرف باسم المجلس السياسي للشيعة25.
أما آية الله العظمى علي السيستاني، رجل الدين الشيعي المبجل، فقد برز
كعامل حاسم في مسألة الانتخابات، وهو الذي أحجم عن إعلان عضويته في أي زمرة
سياسية عراقية أو عن المشاركة الفاعلة في العملية السياسية، حيث كان يصر
على أنه لا ينبغي لرجال الدين أن يشاركوا مشاركة مباشرة في السياسة. ومع
هذا، فقد استخدم سلطته السياسية في إضفاء الشرعية على عملية الانتخابات
العراقية. فقد أكدت فتاويه أنه يريد للانتخابات أن تجري في موعدها26.
ولقد دعا جميع العراقيين وليس الشيعة فحسب، إلى المشاركة في التصويت كما
دعا حتى غير المسلمين، كالمسيحيين العراقيين، إضافة إلى النساء للمشاركة
الفاعلة في العملية27،
ومن ذلك قوله: "ينبغي على جميع المؤهلين للانتخاب ذكوراً كانوا أم إناثاً
أن يدلوا بأصواتهم وأن يتحققوا من أن أسماءهم قد سُجلت تسجيلاً صحيحاً في
سجل الناخبين. فالإدلاء بالأصوات واجب ديني يشبه الصلاة والصيام، وإحجامكم
عن ذلك يمثل مخالفة لأوامر الله سبحانه وتعالى28".
كما أكدت جماعة السيستاني أيضاً أن نجاح الانتخابات سيمثل الطريقة الوحيدة
لـ"طرد الاحتلال"29.
وقد نُسب إلى أحد ممثلي السيستاني قوله إن من يرفض "المشاركة في الانتخابات
خائن ومآله جهنم"30.
بيد أن هذه النقطة بالذات انـتُـقـدت على نطاق واسع31.
وقد أظهر استطلاع للرأي أُجري في سبتمبر 2004 أن المصادقة الدينية على
الانتخابات أمر محوري. فقد تم طرح السؤال التالي على المستطلعة آراؤهم
"نرجو أن تحدد مدى تأثرك بمصادقة المرجعيات أو الشخصيات التالية على مرشح
ما أو قائمة مرشحين بحيث تجعلك أكثر أو أقل ميلاً لدعم تلك القائمة". وذكر
أربعون في المائة من المجيبين أن مصادقة رجل دين على قائمة ما ستجعلهم أكثر
ميلاً لدعم تلك القائمة32.
وأطلقت بعض الجماعات الشيعية تهديدات مبطنة بأنه إذا لم تجرِ الانتخابات
فإنها ستلجأ إلى أعمال العنف. وفي هذا الصدد، يقول آية الله محمد تقي
المدرسي: "إذا تأجلت الانتخابات فستكون هناك كارثة حقيقية وفتنة، يتحمل
فيها الشعب الأمريكي مسؤولية المأساة التي ستحيق بالشعب العراقي". ويستطرد
محذراً من أن "المناطق الآمنة حالياً ستحترق بالنار إن تأجلت الانتخابات"33.
وفي ذلك أيضاً، يقول حسين الشهرستاني، وهو عالم نووي سابق مقرب من
السيستاني، إنه لو تأجلت الانتخابات فإن "الشيعة المسالمين سيلجأون إلى
خيارات أخرى"34.
وفيما يبدو أن "الخيارات الأخرى" التي ألمح إليها تشير إلى أعمال العنف،
إلا أنه من الممكن أيضاً أنه يلمح إلى أن الشيعة قد يسعون إلى الحكم الذاتي
في الجنوب الذي يمثلون فيه الأغلبية المسيطرة35.
أما حزب الدعوة الإسلامي، المعروف شعبياً بحزب الدعوة، فهو حزب إسلامي شيعي
تم تأسيسه في الستينيات بدعم من رجل الدين الشيعي البارز آية الله محمد
باقر الصدر الذي أعدمته حكومة صدام حسين في عام 1980. وهذا الحزب أيضاً دعا
الشيعة بفاعلية إلى المشاركة في الانتخابات. فقد جاء في صحيفته:
"إن من المتعيّن على شعبنا المضطهد أن يشارك في هذه الانتخابات. ويجب عليهم
ألاّ يفشلوا ويكرروا أخطاء الماضي ويسمحوا للقوميين والشيوعيين والعناصر
العميلة أن تتحكم بمصير العراق وشعبه مجدداً باسم الديمقراطية هذه المرة.
فيجب أن نقوم بكل ما في وسعنا لضمان مستقبل زاهر لأطفالنا حتى لا يعانوا
مما عانينا نحن منه بسبب تواني آبائنا في القرن المنصرم"36.
وعبارة "تواني آبائنا" هنا تشير إلى فترة من تاريخ العراق اعترض فيها
الشيعة على الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن العشرين وعبروا عن
معارضتهم بمقاطعة العملية السياسية. ووفقاً لبعض العراقيين، أدت هذه
المواقف إلى حلقة متواصلة من إقصاء الشيعة عن النظام السياسي العراقي
استمرت حتى سقوط حكومة صدام حسين.
السنة العرب
تُعزى معظم أعمال العنف في العراق اليوم إلى ردود أفعال السنة العرب على
خسارتهم لاحتكار السلطة في البلاد. فالكثير من الهجمات الموجهة ضد القوات
الأمريكية والعراقيين العاملين مع الحكومة المؤقتة خرجت مما يسمى بـ"مثلث
السنة العرب". وظهرت الفلوجة باعتبارها بؤرة هذا التمرد. وربطت قوات السنة
العرب بين موقفها من الانتخابات والقتال الدائر بين القوات الأمريكية
والميليشيات المحلية هناك، الأمر الذي بلغ ذروته في نوفمبر 2004. وقد ظهرت
هيئة علماء المسلمين كجماعة بارزة تمثل مصالح السنة العرب37.
وفي بيان أُلقي في أحد مساجد بغداد باسم
مائة وخمسين
رجل دين سنياً يمثلون الهيئة جاء ما يلي: "إذا استمر قصف المدينة وضربها
بالطائرات والمدفعية فإننا سندعو إلى مقاطعة الانتخابات واعتبار نتائجها
باطلة ولاغية"38.
وأكدت الجماعة أنها ليست حزباً سياسياً، ولذلك فهي لا تستطيع المشاركة في
عملية الانتخابات، لكنها في إطار دورها كمرجعية دينية للمسلمين السنة ستثبط
من ينتمون إليها عن المشاركة في الاقتراع39.
وقال المتحدث باسم الهيئة إنه في حين كان من المفترض أن الهجوم على الفلوجة
سيؤدي إلى جعل المنطقة آمنة من أجل الانتخابات، أدى في الحقيقة إلى نتائج
عكسية. وأضاف قائلاً: "لو أن معركة الفلوجة وقعت بعد الانتخابات فما كان
لمثل هذه الدعوة أن تصدر"40.
ومع هذا، فإن الهيئة لا تمثل وجهة نظر جميع المسلمين السنة. وقد نشأ جدل
داخل السنة في شأن وجوب المشاركة أو عدمها في عملية الانتخابات. وزعم أحد
الكتاب السنة في مقال له أن الانتخابات إذا سارت مع مقاطعة السنة لها فإن
الحكومة وأي دستور أو برلمان ينشأ عنها سيفتقد الشرعية، لأنها ستكون مبنية
على "هُوية طائفية"41.
وحتى بعض مسؤولي الشيعة يخشون من أن إجراء الانتخابات دون السنة سيخدش
شرعية الحكومة الجديدة. وفي هذا السياق، يأتي قول موفق الربيعي، وهو شيعي
ومستشار للأمن القومي في العراق حيث يقول: "إننا نأمل ونطمح ونخطط كحكومة
عراقية انتقالية أن يقوم كل أبناء شعبنا بجميع مشاربهم السياسية والدينية
والطائفية والعرقية والإثنية في كل منطقة ومحافظة ومدينة بالمشاركة في
الانتخابات، لأن مصداقية هذه العملية والانتخابات تنبع من مشاركة الشعب
العراقي كله. فإذا ما قررت إحدى الجماعات مقاطعة الانتخابات فهذا سيقوض
مصداقية الانتخابات والدستور المستقبلي الذي ستضع دستورَه الجمعيةُ
الوطنيةُ الانتقالية"42.
ولقد شجعت أحزاب سياسية أخرى من ينتمون إليها على المشاركة في الانتخابات.
فهناك الحزب الإسلامي العراقي الذي يقوده محسن عبد الحميد، الذي كان عضواً
في مجلس الحكم الانتقالي العراقي. فقد أعلن عبد الحميد أن حزبه يود
المشاركة في الانتخابات، لكنه يفضل تأجيل الانتخابات حتى يتحسن الوضع
الأمني. وصرح أحد المتحدثين باسم الحزب قائلاً: إن مسؤوليتنا الدينية
والوطنية تحتم مشاركتنا في الانتخابات القادمة43.
وأوصى الحزب بتأجيل الانتخابات ستة أشهر على الأقل.
أما الحزب الوطني بزعامة نصير الجادرچي فهو حزب غير طائفي مع أن زعيمه
ينتمي إلى السنة. وانتقد الحزب في صحيفته موقف هيئة العلماء المسلمين،
قائلاً إنه إذا سارت الانتخابات حسب الجدول المحدد لها فإن "السنة سيكونون
هم أكبر الخاسرين". ويرثي المقال أيضاً حقيقة وجود انقسامات بين السنة،
لأنه ليست لهم مرجعية دينية توحدهم كالسيستاني أو مقتدى الصدر44.
وشجع مقال آخر السنة على عدم مقاطعة الانتخابات وإلا فإنهم سيكررون الخطأ
التاريخي الذي ارتكبه الشيعة: "في عام 1922، شهد الشيعة تقريباً الوضع نفسه
الذي يجد السنة أنفسهم فيه اليوم". ومع أنهم كانوا أكثرية وكانت السلطات
البريطانية مستعدة للسماح لهم بالمشاركة، إلا أنهم أغلقوا هذا الباب
بأيديهم هم. وبالتالي، بقوا خارج دائرة السلطة لقرابة ثمانين سنة أخرى"45.
كما أشار الرئيس العراقي المؤقت غازي عجيل الياور، وهو نفسه سني، إلى هذه
النقطة لغيره من السنة العرب، داعياً إياهم "ألاّ يكرروا خطأ الشيعة"46.
وشكل الياور حزبه السياسي العلماني الخاص به للمشاركة بالانتخابات تحت اسم
تجمع العراقيين47.
كما أن جماعات أخرى ليست ذات طبيعة طائفية بالضرورة، لكن قياداتها سنية
قررت المشاركة بالانتخابات. فعلى سبيل المثال، هناك حركة الملـَـكـيـة
الدستورية العراقية بقيادة الشريف علي بن الحسين، وهو سني، وتسعى هذه
الحركة إلى استعادة الحكم الملكي في العراق. كما أن تجمع الديمقراطيين
المستقلين بقيادة عدنان الباچه چي وزير الخارجية العراقي الأسبق في
الستينيات، قرر أيضاً المشاركة في الانتخابات على الرغم من إعرابه عن شكوكه
في ملاءمة الوضع الأمني في العراق لمثل
هذه العملية.
الكرد والتركمان
أسس الملا مصطفى البرزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1947. بينما
تأسست منظمة منافسة له هي الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال
الطالباني. وسوف يشارك المرشحون الأكراد في الانتخابات على ثلاثة مستويات:
انتخابات الجمعية الكردستانية، والجمعية العراقية ومجالس المحافظات48.
أما التركمان فهم ثالث أكبر أقلية في العراق ويقطنون في شمال العراق وكذلك
في منطقة كركوك الغنية بالنفط. وكان التركمان ممثلين تقليدياً من الائتلاف
المعروف بجبهة التركمان العراقيين. وقد اشتبك التركمان والأكراد في معركة
حامية الوطيس حول مصير كركوك. فقد صرح الأكراد بأنهم يريدون أن تصبح كركوك
عاصمتهم الإقليمية، لكن التركمان يقولون إنهم يشكلون الأغلبية في المدينة،
ولذلك ينبغي أن تبقى المدينة خارج السيطرة الكردية.
وكان الموقف الكردي حيال إجراء الانتخابات أو تأجيلها مختلطاً، إذ إن نائب
رئيس الوزراء العراقي، برهم صالح، وهو مسؤول سابق في الاتحاد الوطني
الكردستاني، حذر من أن تأجيل الانتخابات يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على
تطور العراق السياسي49.
بيد أن فلك الدين الكاكائي، رئيس تحرير الصحيفة الممثلة لآراء الحزب
الديمقراطي الكردستاني، أيد تأجيل الانتخابات، وذلك لأن قضية كركوك لم يتم
حلها حلاً مرضياً بعد. وحين سُئل الكاكائي عما إن كانت الأحزاب الكردية
تحاول استخدام قضية كركوك كورقة للضغط على الحكومة المؤقتة للتعجيل باتخاذ
قرار بشأن المدينة يكون في صالحهم، أجاب بأن الأمر ليس كذلك، لكنه بعد ذلك
رد على السؤال بسؤال آخر، وهو: "ماذا سيفعل بقية الأكراد إذا لم يشارك
أكراد كركوك في الانتخابات لسبب من الأسباب؟"50.
وتسعى شخصيات كردية أخرى إلى الضغط من أجل تأجيل الانتخابات المحلية في
كركوك حتى تتم إعادة جميع الأكراد الذين أُبعدوا عن كركوك في إطار سعي نظام
صدام إلى تعريب المدينة، حتى يمكنهم بالتالي تعزيز الأصوات الكردية في
المنطقة. والمسألة الأكثر إثارة للخلاف قول التركمان إن الأكراد لجأوا إلى
القيام بحملة عنيفة من التهديد والتخويف لإجبار التركمان على مغادرة كركوك.
فقد زعم أحد سياسيي الجبهة التركمانية أن حزبين كرديين وزعا تسعين ألف
بطاقة مخصصات مزورة على العائلات الكردية التي وصلت مؤخراً إلى كركوك
لتعزيز أعدادهم في الانتخابات القادمة51.
وتزعم جبهة التركمان العراقيين أن التركمان قد هُمشوا في العملية السياسية
العراقية منذ سقوط صدام. وهم يأملون أن يغيروا هذا الوضع بأن يضمنوا الحصول
على خمسة وعشرين مقعداً على الأقل من المقاعد البرلمانية البالغ عددها
مائتين وخمسة وسبعين مقعداً52.
وقامت أحزاب تركمانية أخرى بتشكيل تحالفات من جماعات شيعية. وفي هذا
الإطار، ثمن الاتحاد الإسلامي الكردستاني في العراق دعوة السيستاني
العراقيين إلى "المشاركة بفاعلية في الانتخابات القادمة وتسجيل أسمائهم في
القوائم الانتخابية"53.
تشكيل القوائم
سُلمت أكثر من سبعين قائمة بحلول الخامس عشر من ديسمبر 2004، وهو الموعد
النهائي لفترة التسجيل. وكانت تسع من هذه القوائم تمثل ائتلافات متعددة
الأحزاب، بينما كانت هناك ست وستون قائمة مقدمة من أحزاب عراقية منفردة54.
وربما يكون أهم هذه القوائم "قائمة الائتلاف العراقي الموحدة" التي قدمت
مائتين وثمانية وعشرين مرشحاً إلى الجمعية الوطنية المؤلفة من مائتين وخمسة
وسبعين عضواً. ومثلت هذه القائمة ست عشرة جماعة سياسية عراقية، من أبرز
الجماعات الشيعية في العراق. وعلى رأسها عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، يليه إبراهيم الجعفري من حزب الدعوة.
واحتل أحمد الچلبي المركز العاشر في القائمة. كما ضمت القائمة أيضاً مرشحين
من تجمعات أخرى، إضافة إلى شيوخ بارزين لبعض العشائر العراقية السنية
والشيعية، كعشيرة شمر والجربة وبني أسد وبني ركاب55.
ومعارضو هذه القائمة يسمونها القائمة الإيرانية بسبب دعم السيستاني لها
والعلاقات السابقة للحكيم والجعفري بإيران56.
أما الحزبان الكرديان فيخوضان الانتخابات معاً على قائمة يُطـلَـق عليها
اسم القائمة الكردية57.
وتضم قوائم الائتلافات المتعددة الأحزاب الأخرى قائمتين اثنتين، هما
"الكتلة المستقلة العراقية" بقيادة الدكتور غسان العطية والجبهة
الديمقراطية العربية، التي ذكر أصحابها أنهم لا يدخلون معهم أي شخص يعمل مع
الإدارة العراقية الحالية، في تلميح إلى أولئك الأشخاص المتعاونين مع "قوات
الاحتلال"58.
أما رئيس الوزراء والرئيس العراقيان المؤقتان فقد قدم كل منهما قائمة
مرشحيه الخاصين به. فقدم رئيس الوزراء إياد علاوي وحزبه الوفاق الوطني
العراقي ائتلافاً مشكلاً من
مائتين وأربعين
مرشحاً بينما يدخل الرئيس غازي الياور الانتخابات بتشكيلة من ثمانين شخصاً
يمثلون التجمع العراقي59.
وتضم قوائم الأحزاب الفردية الأخرى القوائم المقدمة من حركة الملكية
الدستورية، والحزب الشيوعي العراقي وجبهة التركمان العراقيين. أما الحزب
الإسلامي العراقي فتقدم بلائحة تضم مائتين وخمسة وسبعين مرشحاً، في حين لا
يزال يقترح ضرورة "تأجيل الانتخابات ستة أشهر على الأقل"60.
العقبات في وجه الانتخابات العراقية
انعدام الأمن
لا يزال الوضع الأمني المتفاقم يمثل أكبر عقبة في وجه إجراء انتخابات في
جميع أنحاء العراق. وعبر هذا الوضع عن نفسه أفصح تعبير في نوفمبر الماضي
عندما أُخرج بعض مسؤولي الانتخابات العراقيين من سيارتهم وقُـتـلـوا في وضح
النهار على أيدي متمردين عراقيين في أحد شوارع بغداد المزدحمة61.
ويقول مسؤولو الانتخابات إنهم تلقوا كثيراً من التهديدات من أولئك الذين
يزعمون أن الانتخابات تعمل على إدامة "استعمار واحتلال" العراق، وتُنسب
التهديدات إلى أبي مصعب الزرقاوي، الزعيم الأردني لتنظيم قاعدة الجهاد في
بلاد الرافدين62.
ومن الناحية اللوجستية، ثمة تساؤلات عن مدى قدرة قوات الأمن العراقية على
ضمان سلامة مراكز الاقتراع إذا كانت هذه القوات نفسها تكاد تعجز عن حماية
نفسها. فطوابير الناخبين المنتظرين للإدلاء بأصواتهم يمكن أن تمثل أهدافاً
مميزة للمتمردين العراقيين الذين يحاولون زعزعة هذه العملية.
وهددت جماعات ترتبط بالزرقاوي، مثل جيش أنصار السنة، بضرب مراكز الاقتراع
والمرشحين المحتملين الذين يخوضون الانتخابات63،
فقد أعلنوا في
الثامن عشر من
نوفمبر 2004 أنهم سيضربون كل مراكز الانتخاب، التي اعتبروها "مراكز للكفر"
وكذلك المشاركين بالانتخاب. وبررت الجماعات مثل هذه الهجمات بقولها:
"إن الإسلام هو حكم الله وحده ولا ينتمي لا إلى أغلبية ولا إلى حزب من
الأحزاب ... وكل من يختار لهذه المناصب يصبح كافراً، لأن عليه أن يعلم أنه
سيحكم وفقاً لقوانين الكفار. والمسلمون الذين يشاركون سيصبحون كفاراً أيضاً
لأنهم يعلمون أن الشخص الذي انتخبوه سيحكمهم بقوانين من صنع البشر64.
وجاءت التهديدات من جماعات أخرى في العراق. ففي مدينة الموصل المضطربة، تم
إحراق مئات الصناديق من طلبات تسجيل الناخبين65.
كما أن فخري القيسي، زعيم المجلس السني الاستشاري للفتاوى والتوجيه
الإسلامي، ذي التوجهات المحافظة قال إنه لا إمكانية لمشاركة السنة في
الانتخابات وهدد بالعنف إذا تم خرق هذه المقاطعة، ومن ذلك قوله: "لقد
التقينا لنقرر عدم المشاركة في هذه الانتخابات. وإذا رجع أي حزب عن قراره
فإن المقاومة ستطلق صواريخها عليه"66.
وثمة شكوك في وجود ما يكفي من قوات الأمن العراقية للحفاظ على الأمن أثناء
الانتخابات، وكذلك في وجود ما يكفي من المراقبين الدوليين لمراجعة العملية
الانتخابية. وصرح علاوي بالحاجة إلى أربعمائة ألف شرطي لتوفير الأمن
للمراكز الانتخابية البالغ عددها تسعة آلاف مركز في أرجاء العراق67.
وعدد قوات الأمن العراقية أقل من هذا بكثير. وأعرب وزير الخارجية هوشيار
زيباري عن "القلق من عدم كفاية موظفي الأمم المتحدة الذين سيتولون الإشراف
على الانتخابات المقرر إجراؤها في بداية العام القادم"68.
ومع هذا، فإن المناطق المضطربة مثل الموصل والفلوجة لن تُستثنى من المشاركة
في الانتخابات. فقد برر هذا فريد أيار حين قال: "إن العراق منطقة انتخابية
واحدة، ومن المستحيل استثناء إحدى مناطقه، هذا هو القانون الذي يلزمنا
العمل بمقتضاه. ولذلك، يجب أن تُجرى الانتخابات على كامل التراب العراقي
دون أي استثناء، بحيث يتمكن جميع العراقيين من الاستفادة من هذه العملية
الديمقراطية الجديدة والفريدة"69.
وعلى الرغم من التهديدات بالعنف، يصر بقية العراقيين على أن تسير
الانتخابات كما هو مقرر لها. فقد ذكر مؤيدو الانتخابات من الشيعة أنه على
الرغم من أن العنف قد يعكر صفوها، فإن هذه العملية يمكن على المدى الطويل
أن تنهي الإرهاب في العراق. وفي هذا الصدد، يقول زعيم حزب الفضيلة
الإسلامي: "إذا جرت الانتخابات في موعدها فإن العراقيين يكونون قد كسبوا
هذه الحرب. أما إن تأجلت فإن الإرهابيين سينتصرون ويحققون مآربهم. وعندها
يمكن أن تقول وداعاً للعراق لا سمح الله. إن تأجيل الانتخابات مسألة خارج
إطار التداول"70.
وعلى هذا المنوال أيضاً، يقول موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي:
"لا نستطيع تأجيل الانتخابات ولا ليوم واحد، لأن هذا سيعني انتصار الإرهاب
والمخربين وأعداء الديمقراطية والعراق. وسيقضي هذا على الروح المعنوية
للعراقيين، وهو أمر لن نسمح بحدوثه أبداً مهما كانت الظروف". وأكد الربيعي
أن الحكومة المنتخبة الجديدة سيكون لديها السلطة لإنهاء وجود القوات
الأمريكية على الأراضي العراقية، وبالتالي القضاء على مبررات أعمال العنف
التي يقوم بها المتمردون المعارضون للاحتلال71.
كما كتب حزب الدعوة يقول إن إجراء الانتخابات في موعدها سيساعد على القضاء
على الإرهاب في البلد72.
وصرح مسؤولون في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بأن تأجيل
الانتخابات سيسبب المزيد من انعدام الأمن ويمنح النصر للمتمردين العراقيين:
"إن تأجيل الانتخابات سيخدم مصالحهم ومآربهم، وسيشجعهم على الاستمرار في
حربهم ضد العراق وضد الانتقال إلى الديمقراطية وضد الانتخابات"73.
وعندما وقع الهجومان الدمويان في مدينتي النجف وكربلاء ذواتي الأغلبية
الشيعية الساحقة لتثبيط الناس عن المشاركة في الانتخابات، وصف المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية هذين الهجومين بأنهما "ضريبة التمسك بمبدأ
الانتخابات". ومع أنهم يتوقعون شن المزيد من الهجمات، إلا أنهم يصرون على
إجراء الانتخابات في موعدها74.
وأظهرت تصريحات الجمهور في استطلاع للرأي أجرته صحيفة الأهالي قوة التزام
بعض المواطنين بالانتخابات، حيث قال أحد المستطلعة آراؤهم: "من خلال
الانتخابات، سيحقق الشعب العراقي إرادته عبر الانتصار على قوى الظلام
والقتل والاختطاف". بل إن أحد الروائيين عبر عن رأيه قائلاً: "سأذهب إلى
مراكز الاقتراع حتى لو حول الإرهابيون كل صناديق الاقتراع إلى ألغام تمزق
أجسادنا إرباً، وذلك لأن الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لإقامة عراق
ديمقراطي مزدهر؛ ولتوحيد أبنائه بكل طوائفهم وإثنياتهم ومشاربهم السياسية؛
ولإعادة الـهُـويـة والمواطنة إلى الشعب العراقي الذي هُمش طوال عهد
الديكتاتورية البغيضة"75.
وأشارت استطلاعات أخرى للرأي أُجريت في أكتوبر 2004 إلى أن أغلبية
العراقيين يحبذون إجراء الانتخابات في موعدها، بتقديرات تتراوح بين ستين
وخمسة وثمانين في المائة76.
فشل تشكيل الأحزاب الوطنية
ومن العقبات الأخرى في وجه إجراء الانتخابات أنه لا يكاد يوجد أحزاب سياسية
عراقية طورت لنفسها قاعدة جماهيرية قوية في أوساط الشعب أو تخطت الفوارق
الإثنية أو الطائفية. فالأحزاب في العراق إما بقايا جماعات المعارضة التي
نُفيت إبان عهد صدام أو أحزاب مبنية على مجرد الرابطة الإثنية أو الطائفية.
وربما يكون الاستثناء الوحيد في هذا الاتجاه الحزب الشيوعي العراقي الذي
أُسس في عام 1934. وعلى الرغم من أنه لا يعتمد على أي ايديولوجيا إثنية أو
طائفية فإنه لا يحظى بشعبية كبيرة في العراق.
وتدعم استطلاعات الرأي التي أُجريت داخل العراق هذا التقدير. فقد وجدت إحدى
الدراسات الاستطلاعية أن ثلاثة وستين في المائة يوافقون على أنه "ليس هناك
في العراق بعد حزب يمثل مصالحي ووجهات نظري"77.
وعند سؤالهم عن الأحزاب السياسية، قال تسعة وأربعون في المائة من المستطلعة
آراؤهم "أنا لا أثق بهم البتة"78.
وعندما طُرح عليهم السؤال التالي: "سواء أكنت تدعم حزباً سياسياً الآن أم
لا، نرجو أن تخبرنا أياً من العوامل التالية سيكون أهم بالنسبة إليك في
اختيارك حزباً من الأحزاب للتصويت له في أول انتخابات في العراق"، كانت
الأولوية الأولى قدرة الحزب على "الحفاظ على النظام والاستقرار"، بينما
جاءت ايديولوجية الحزب في المرتبة الثالثة، مما يدل على عدم وجود حزب سياسي
في العراق نجح في الإفصاح عن منبر أو أجندة تلاقي إعجاباً على نطاق واسع79.
وحسب استطلاع للرأي أجري بين فبراير ومارس 2004، قام به مركز الخليج
للأبحاث الذي يتخذ من دبـي مقراً له، تبين أن خمسة وسبعين في المائة من
المستطلـَـعة آراؤهم لا ينتمون إلى حزب سياسي وأن سبعة وثمانين في المائة
من هؤلاء قالوا إنهم رفضوا الانضمام إلى أي حزب سياسي، لأنهم "لا يثقون
بالأحزاب"80.
واشتكى بعض النقاد من أن المشهد السياسي العراقي تهيمن عليه الأحزاب
السابقة المنفية81.
كما اشتكى آخرون من أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مادياً للأحزاب التي
تفضلها، غير سامحة للأحزاب المستقلة بالبروز أو غير منصاعة للديمقراطية
الحقيقية82.
أما الرابطة الوطنية للمفكرين والأكاديميين العراقيين فقد انتقدت الأحزاب
السياسية لمحاولتها إدخال منظمات المجتمع المدني "تحت مظلتها" بدل تعزيز
دورها في المجتمع83.
قصور ثقافة الناخبين
انتقد البعض السلطات الانتخابية لتقصيرها في تثقيف العراقيين بما يكفي حول
العملية الانتخابية. فقد ذكر أحد العراقيين في مقابلة أجرتها معه محطة
محلية أن كثيراً من العراقيين لا يعرفون معاني مثل "الدائرة الانتخابية" أو
"الكيان السياسي" أو "القائمة الموحدة"84.
وذكر آخر في استطلاع أجرته إحدى الصحف أن العراقي العادي يعتقد أنه سيصوت
للرئيس أو رئيس الوزراء، ولا يدرك أنه سيصوت للجمعية الوطنية التي
ستختارهما85.
وحتى المتحدث باسم لجنة الانتخابات فريد أيار اعترف بأنه وفقاً لأحد
استطلاعات الرأي "يظن
أربعة وسبعون
في المائة من العراقيين أن هذه الانتخابات انتخابات رئاسية، لأنهم معتادون
أن تكون الأمور كذلك". وقال: "إن اللجنة ستعمل على التوضيح لجميع العراقيين
"أن هذه الانتخابات برلمانية لانتخاب مائتين وخمسة وسبعين عضواً" للجمعية
المؤقتة86.
وأعلنت إذاعة صوت المجاهدين أن على الكُـتَّـاب والمثقفين "أن يتحملوا
مسؤولياتهم في المساهمة بنشر الوعي الانتخابي، باعتبارهم السلطة الرابعة في
تفعيل المجتمع وتوجيهه نحو الانتخابات الواعدة"87.
وأشار آخرون إلى مسؤولية وسائل الإعلام. فقد ذكرت صحيفة العدالة التابعة
للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أن العراقيين يفتقرون إلى تجربة
سابقة في الديمقراطية، وبالتالي فمن مسؤولية وسائل الإعلام التعبير عن
"تنوع في الآراء" حول هذا الموضوع للمساعدة على "إغناء هذه التجربة
الديمقراطية في البلاد"88.
وفي مقال بصحيفة الصباح تحت عنوان "ضرورة الثقافة الانتخابية"، جاء أن
وسائل الإعلام العراقية ضعيفة جداً بالمقارنة مع وسائل الإعلام العربية
الأخرى، وبالتالي لم تستطع أن "تؤدي مسؤولياتها الوطنية في تثقيف الناس حول
الانتخابات القادمة"89.
وفي هذا السياق، ذكر أحد المهندسين في مقابلة معه:
"إن كثيراً من العراقيين لا يملكون أدنى فكرة عن طريقة إجراء هذه
الانتخابات. وأنا واحد من هؤلاء الناس، وليس لدي فكرة واضحة عن صيغة تمثيل
قوائم المرشحين، أو طبيعة الدوائر الانتخابية الممكنة، أو المرشحين
وأحزابهم أو الاتجاهات المستقلة. إني مستعد تماماً للانتخابات، التي تُعتبر
رئة نظيفة يتنفس منها العراقيون الحرية والديمقراطية، لكن بشرط أن تولي
الحكومة اهتماماً بجوانب الإعلام وتعلم المواطنين بكل الشؤون المتعلقة
بعملية التصويت"90.
وتجد هذه التعليقات صداها في نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه المعهد
الجمهوري الدولي IRI
فعندما طرح السؤال التالي: "في رأيك أي العوامل التالية
تمثل أفضل طريقة ليحظى الحزب بانتباهك؟" اختار أكثر من خمسين في المائة
الإعلانات التلفزيونية، وهي أعلى نسبة مئوية بين العوامل المذكورة91.
وسعت لجنة الانتخابات المستقلة إلى تعبئة العراقيين من خلال برنامج تثقيفي
إعلامي. وفي هذا الإطار، أنتجت اللجنة فيلماً إعلامياً مدته خمس وأربعون
دقيقة، وأكثر من نصف مليون ملصق وعشرة ملايين مطوية بهدف توزيعها لزيادة
الوعي العام بالانتخابات92.
وأصدرت اللجنة مطبوعة يومية اسمها "صوتك المستقبل" حملت عناوين عريضة مثل
"إن مساهمتك في الانتخابات دليل على حبك لبلدك"، و"صوت من أجل المستقبل؛
صوت من أجل العراق"93.
وقامت جهات أخرى في المجتمع العراقي بدورها من جهة تثقيف الناخب ورفع مستوى
مشاركة الناخبين. فقناة الشرقية الفضائية العراقية المستقلة كان لها أيضاً
دور فاعل في تشجيع العراقيين على التصويت، وذلك من خلال تقديم الإعلانات
التجارية والمقابلات مع العراقيين العاديين والتشديد على أهمية المشاركة في
عملية الانتخاب، كما تقدم لقاءات مع الشخصيات البارزة المنخرطة في
الانتخابات94.
كما قامت مكاتب السيستاني بتعليق ملصقات في أنحاء العراق تتضمن فتواه
بتشجيع العراقيين على الإدلاء بأصواتهم95.
وأطلقت محافظتا بغداد والبصرة برامج ثقافية عن الانتخابات للشباب من كلا
الجنسين في مناطقهما، بينما أسست محافظة العمارة ما سُمي بالمجتمع العراقي
نحو الديمقراطية التي تهدف إلى "نشر المفاهيم الديمقراطية بين الناس
وإعدادهم للانتخابات القادمة"96.
كما لعبت منظمات المجتمع المدني الأخرى دوراً في هذه العملية، كمنظمة
الحوار المدني التي ساهمت بتقديم إيضاحات للعامة عن طريقة تسيير الانتخابات
والحاجة إلى المشاركة الفاعلة في العملية، كما أقامت جمعية حقوق الإنسان في
محافظة بابل على سبيل المثال "برامج تثقيفية حول الانتخابات"97.
وقامت أيضاً منظمات عشائرية، أخرى مثل المؤتمر الإسلامي للعشائر العراقية،
بتنظيم ندوات لتثقيف الناخبين98.
وأطلقت الأحزاب السياسية حملات لتعبئة الجمهور وتثقيفهم في ما يخص العملية
الانتخابية. فقد نظم حزب الدعوة على سبيل المثال لقاءً جماهيرياً في منطقة
الشعب في بغداد لمناقشة وضع الانتخابات99.
ووفقاً لقانون الانتخابات العراقية المؤقت، يجب ألاّ تقل نسبة التمثيل
النسائي في الجمعية الوطنية عن خمسة وعشرين في المائة. ولذلك، تم تصحيح
قوائم الترشيح على هذا الأساس، بحيث تضم في الأغلب ما نسبته
ثلاثة وثلاثون
في المائة من النساء، لضمان الوصول إلى هذه النسبة100.
وتم بذل جهود خاصة لتعبئة النساء العراقيات للتصويت في الانتخابات القادمة.
فقامت السياسيات من النسوة بمساعيهن الخاصة لتشجيع النساء على التصويت بعقد
منتديات ومؤتمرات، إضافة إلى القيام بزيارات إلى المحافظات من أجل تثقيف
النسوة101.
الانتخابات العراقية والولايات المتحدة
بعد حل حكومة صدام حسين، تساءل كثير من العراقيين عما إذا كان للولايات
المتحدة مصلحة حقيقية في تعزيز الديمقراطية في العراق. والتصور الشائع في
العراق هو أن الولايات المتحدة لم ترد حقاً دعم قيام حكم ديمقراطي بعد صدام
حسين. فالعراقيون العاديون يعتقدون أن السياسة الأمريكية الخارجية إبان
الحرب العراقية ـ الإيرانية كان لها دور في الإبقاء على صدام حسين في
السلطة. ومعظم العراقيين يعلمون أن الولايات المتحدة قدمت الدعم العسكري
والمخابراتي لديكتاتورهم السابق صدام لضمان أن يخرج منتصراً على إيران
الخميني. وتضخمت هذه العلاقة إلى درجة وصلت فيها إلى حد أن كثيراً من
العراقيين أنفسهم يؤمنون بأن صدام كان عميلاً للمخابرات المركزية
الأمريكية. فعلى سبيل المثال، تشير إحدى الصحف العراقية إلى الديكتاتور
السابق بوصفه "الخادم المطيع للأمريكان, صدام الذي قدم لهم كل شيء، لكنهم
رفضوا أن يبقوه في مكانه"102.
وثمة اعتقاد آخر في العراق مفاده أن الولايات المتحدة لن تدعم الديمقراطية
فيه، لأن أغلبية شعبه من الشيعة والرئيس القادم بعد صدام سيكون على الأرجح
من الشيعة. ففي رأيهم أن الولايات المتحدة تتوجس من مثل هذا الرئيس، لأنه
من الممكن أن يشكل تحالفاً مع إيران الشيعية، ومن ثم يسيطران معاً على
الخليج. والمفارقة أن رجال الدين الشيعة، الذين كانت أمريكا تخشى من محاولة
قيامهم بتدبير حكم ثيوقراطي في العراق، هم من أطلقوا أقوى الدعوات لإقامة
الحكم الديمقراطي. فالسيستاني وهو أكثر الزعماء الشيعة نفوذاً في العراق،
رفض في مارس 2004 صيغة أمريكية لنقل السلطة إلى العراقيين عبر مجلس تشريعي
مؤقت يتم اختياره من خلال ثمانية عشر مؤتمراً إقليمياً. وهناك اقتناع لدى
بعض العراقيين بأن الولايات المتحدة تعمل خلف الكواليس لتحوير الانتخابات
لمصلحتها. وقد نشر كاتب في صحيفة الفرات اليومية مقالاً في صحيفة الواشنطن
بوست يصف فيه كيف خصصت الإدارة الأمريكية ملايين الدولارات لدعم بعض
الشخصيات والأحزاب العراقية في الانتخابات القادمة وأن وكالات الاستخبارات
الأمريكية ستعمل من خلف الكواليس على ضمان نتيجة محبذة للانتخابات يخرج
فيها العراق "كقرية أمريكية يحكمها البيت الأبيض دون أي رجوع إلى الشعب
العراقي"103.
وفي مقال بصحيفة العدالة التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في
العراق، جاء أنه في حين يتطلع العراقيون إلى انتخابات شفافة خالية من
الفساد، يخشى كثير منهم من أن: "الولايات المتحدة قد أطاحت بصدام وغزت
العراق من منطلق مصالحها الخاصة، وليس من أجل مصالح الشعب العراقي. ولذلك،
فالولايات المتحدة غير مستعدة لخسارة السيطرة على العراق. ويحدث ذلك إذا ما
فازت في الانتخابات جماعة من الناس لا يلبون مصالحها أو يعارضونها. وهذا هو
السبب في أن دعوة الولايات المتحدة للانتخابات قد لا تكون أكثر من مجرد
دعاية لانتخاباتها هي أو شعارات ترفع أكثر منها حقيقة يُسعى إليها"104.
ويؤكد الكاتب أن التدخل الأمريكي في الانتخابات محتمل جداً، لأن "الولايات
المتحدة والغرب عموماً لا يعملان إلا من أجل مصالحهما الخاصة مع تجاهل
لمصالح الشعوب الأخرى". ويقول إن إدارة بوش ستدفع بالانتخابات قدماً لتثبت
أن غزو العراق حقق نجاحاً105.
وذكر كاتب آخر في صحيفة الأفق اليومية المستقلة أن "الانتخابات العراقية
ستعطي بوش صورة رجل وفّي بوعده بتحقيق الديمقراطية في العراق وتحويل هذا
البلد إلى نموذج في الشرق الأوسط. ولذلك، نجد أنه من الواضح أن الإدارة
الأمريكية مصممة على إجراء الانتخابات حتى لو أدى ذلك إلى استثناء بعض
المناطق من المشاركة"106.
كما أعرب مقتدى الصدر أيضاً عن عدم ثقته بالدوافع الأمريكية لدعم
الانتخابات. وفي خطاب له، قال متسائلاً: "هل هناك من يسأل: "إذا شاركت في
الانتخابات, هل سيغادر المحتلون بلدي؟ ألن يتلاعبوا بالانتخابات، وبذلك
ينكرون السلطة على الأتقياء؟"، فكل ما يهتمون به هو إعطاء السلطة لدمية
تعطي موافقتها للمحتلين للبقاء في بلدنا والحصول على الشرعية
المرفوضة من الأمم المتحدة
وغيرها"107.
وفي هذا السياق، يقول أحد ممثليه: "إننا لا نرى أحداً يستفيد من الانتخابات
إلا الاحتلال: بوش وأتباعه ومعاونوه. هذا لأن الانتخابات ستفوز بها شخصيات
تطالب باستمرار الاحتلال ويدعمها الاحتلال. ولو كانت الولايات المتحدة جادة
في مسعاها لإنجاح الانتخابات كانت ستؤكد للشعب العراقي وتعلن عن جدول زمني
لإنهاء الاحتلال، في وقت تكون قد شكلت فيه حكومة وطنية منتخبة بشكل نزيه"108.
من جهة ثانية، كرر مناصرو عقد الانتخابات في موعدها تأكيدهم أن الانتخابات
ستكون الخطوة الأولى لإنهاء الاحتلال. وفي هذا السياق، يأتي قول أحد ممثلي
الحزب الشيوعي العراقي: "دعهم يقولوا ما يشاؤون، فالكلمة الأخيرة ستكون
للشعب العراقي. فإذا اخترنا حكومة شرعية من خلال انتخابات ديمقراطية وإذا
مكناها من استرجاع قرارها الوطني، فسيكون بمقدورها أن تطلب من القوات
الأجنبية مغادرة العراق بأسرع وقت ممكن. فهي بذلك ستكون محمية بالقانون
الدولي ودعم العالم بأكمله"109.
الانتخابات العراقية والشرق الأوسط
ظهرت بين العراقيين آراء تنتقد الطبيعة الديكتاتورية للأنظمة العربية وتلقي
باللائمة عليها في محاولة تقويض الانتخابات العراقية. ففي صحيفة الصباح
الجديد اليومية المستقلة، جاء في افتتاحية المحرر في الصفحة الأولى أن
الانتخابات العراقية ظاهرة غير مسبوقة في العالم العربي الذي يحصل فيه
"القادة على 99.99 في المائة دون أي معارضة"110.
وذكرت إحدى الصحف أنه "في حين لم تعارض أو ترفض أي من دول المنطقة إجراء
الانتخابات العراقية، لكن بعضها يتمنى أن تفشل هذه الانتخابات حتى لا تتعرض
هي للضغط من أجل فرض الليبرالية على أنظمتها السياسية هي أيضاً"111.
كما أن فريد أيار، المتحدث باسم اللجنة العراقية المستقلة للانتخابات،
انتقد بشكل خاص وسائل الإعلام العربية التي قال إنها تحرض على الإرهاب في
العراق، وبالتالي تقويض الانتخابات، وفي ذلك يقول:
"إننا ندرك كيف أن بعض القنوات الفضائية العربية تنصب الأشراك وتحاول أن
تفرض أجندتها السياسية على الشعب العراقي ... إن الشعب العراقي سيمارس حقه
في الانتخابات وسينجح بالتأكيد في إقامة نظام ديمقراطي حر على أرض العراق
يصبح أنموذجاً ينبغي على كثير من الدول أن تحتذي به"112.
وفي الحقيقة، شجعت بعض وسائل الإعلام في العالم العربي العراقيين على
مقاومة الولايات المتحدة وعدم المشاركة في الانتخابات. وهذا الكاتب الأردني
ياسر زعترية، على سبيل المثال،
يقول:
"من الواضح أن خيار مقاطعة الانتخابات ورفض إعطاء الشرعية لعملية
الانتخابات هو الخيار الأفضل، ليس للسنة العرب فحسب بل للعراق وكل
العراقيين وللأمة كلها كذلك. ومع المقاطعة، ستتابع المقاومة طريقها قدماً
حتى تنهي الاحتلال وتنتزع الاستقلال التام والسيادة الحقيقية وتعيد إلى
المسرح السياسي أولئك الذين رفضوا وقاوموا الاحتلال مكان أولئك الذين
تعاونوا مع الاحتلال وسعوا إلى دعم مصالحه"113.
ورد أحمد الچلبي بالقول إن ما يخشاه المنتقدون العرب غير العراقيين في
الحقيقة هو أن تنتقل ديمقراطية العراق إلى بلدانهم، حيث يقول:
"إن الانتخابات هي الحل الوحيد لإنهاء المأزق العراقي وهي صفعة قوية في وجه
البدو [دول الخليج العربي] والإرهابيين الذين لا يريدون الخير للعراق، لأن
شعوبهم ستطلب منهم الديمقراطية عاجلاً أم آجلاً. إن رياح التغيير قادمة
إليهم حتماً، ذلك أنهم لا يريدون للديمقراطية أن تنتشر في العراق،
ويحـنّـون إلى عودة معبودهم [صدام حسين] وأتباعه إلى السلطة. وهذا لن يحدث
في العراق من جديد، مهما حدث ومهما فعلوا ومهما حاكوا من مؤامرات ضدنا"114.
وكذلك، فإن الأحزاب الشيعية، باعتبارها مناصرة لإجراء الانتخابات، انتقدت
أيضاً محاولات العالم العربي إعاقة الانتخابات. كما تزعم الجريدة التابعة
للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أنهم "يخشون من انتقال عدوى"
الديمقراطية إلى بلدانهم115.
فقد انتقد أحد المقالات القادة العرب لمحاولتهم إعاقة الانتخابات في العراق
لخشيتهم من سيطرة الشيعة والأكراد في هذا البلد116.
وانتقد مقال آخر الدول الأجنبية التي تسعى إلى التدخل في الانتخابات
العراقية، مؤكداً أنه لا ينبغي لأحد التدخل في شأن عراقي خالص117.
كما حملت أيضاً صحيفة حزب الدعوة على وسائل الإعلام ورجال الدين والمفكرين
غير العراقيين لمحاولتهم "قتل المولود الجديد في مهده" وإصدارهم "بيانات
مليئة بالضغينة تُجاه العراق والعراقيين. فقد دعموا الإرهاب وأسموه مقاومة
شريفة"118.
واتخذ الشيوعيون العراقيون من ذلك موقفاً مشابهاً أيضاً119.
خاتمة
لقد لخص أحد صحفيي الجزيرة مأزق الانتخابات من الجوانب العراقية المحلية
تلخيصاً حسناً، حين قال: إن المرجعيات الشيعية تؤكد أن الذين لن يشاركوا في
الانتخابات سيحترقون بنار جهنم، لكن الفتاوى السنية تؤكد أن المشاركة في
الانتخابات القادمة مخالفة لأوامر الله"120.
وإذا ما أصغى السنة للتوصيات الدينية بمقاطعة الانتخابات، أو أنهم عجزوا عن
المشاركة بسبب الوضع الأمني في مناطقهم، فسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى
النيل من شرعية الحكومة العراقية المنتخبة.
إن احتمال مقاطعة السنة للانتخابات لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل العراق.
فالسنة الذين شعروا بالإقصاء عن العملية السياسية في عراق ما بعد صدام
لجأوا إلى العنف ليوصلوا صوت احتجاجهم. وإذا عزلتهم انتخابات عام 2005 من
جديد، فسيستمرون على الأرجح في استخدام العنف لمعالجة مشاكلهم ومظالمهم.
بيد أن الفشل في إجراء الانتخابات ينذر أيضاً بالمخاطر، فالتأجيل قد يلهب
العناصر الشيعية التي يمكن أن تندفع للتعبير عن إحباطها في وجه القوات
الأمريكية في العراق. فحقيقة أن الشيعة المناصرين للانتخابات يرون أن هذه
العملية ستكون الخطوة الأولى نحو إنهاء الاحتلال الأمريكي تدل على مثل هذه
التوجهات. إضافة إلى ذلك، سيثبت تأجيل الانتخابات للمتمردين أن تكتيكاتهم
كانت صائبة ولن يزيدهم ذلك إلا حماسة واندفاعاً لمواصلة حملتهم، مما يجعل
الأمل بوضع حد للعنف في العراق أبعد منالاً مما هو عليه.
هوامش
_____________
NOTES
[1] George Grassmuck, _The
Electoral Process in Iraq 1952-1958,_ The Middle East Journal,
Vol. 14 (1960), pp., 397-415.
[2]
Adeed I. Dawisha
and
Karen Dawisha,
_How to Build a Democratic Iraq_, Foreign Affairs,
May/June 2003.
[3] Daniel L. Byman and Kenneth M. Pollack, _Democracy in Iraq?_,
The Washington Quarterly, Summer 2003, p. 123.
[4]
_Al-Bayan Article Explaining Election Procedures, Urging Nationwide
Participation,_ Al-Bayan , Foreign Broadcast Information Service,
(FBIS) GMP20041025000262, October 25, 2004, p. 3.
[5]
_Iraq: Communist Party Secretary Interviewed on Stance toward
Elections,_ Tariq al-Sha'b , (FBIS) GMP2004102400000923, October
24, 2004, p. 2.
[6]
_Al-Bayan Article Explaining Election Procedures, Urging Nationwide
Participation,_ Al-Bayan , (FBIS) GMP20041025000262, October 25,
2004, p. 3.
[7] Independent Electoral
Commission of Iraq, <http://www.ieciraq.org>.
[8] Independent Electoral
Commission of Iraq.
[9] Institute for War and
Peace Reporting, _Iraqi Elections Backgrounder,_ available at <www.iwpr.net>.
[10]
_Al-Bayan Article Explaining Election Procedures, Urging Nationwide
Participation,_ Baghdad Al-Bayan , (FBIS)
GMP20041025000262, October 25, 2004, p. 3.
[11]
_Iraq: Communist Party Secretary Interviewed on Stance Toward
Elections,_ Tariq al-Sha'b , (FBIS) GMP20041024000009,
October 23, 2004, p. 2.
[12] Independent Electoral
Commission of Iraq.
[13]
_Iraq: Communist Party Secretary Interviewed on Stance Toward
Elections,_ Tariq al-Sha'b , (FBIS) GMP20041024000009,
October 23, 2004, p. 2.
[14]
Ibid., p. 2.
[15] Institute for War and
Peace Reporting.
[16]
_Al-Bayan Article Explaining Election Procedures, Urging Nationwide
Participation,_ Al-Bayan , (FBIS) GMP20041025000262,
October 25, 2004, p. 3.
[17] Also seen as the Supreme
Council for the Islamic Resistance in Iraq (SCIRI) or Supreme Assembly
for the Islamic Revolution in Iraq (SAIRI).
[18] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041012000225, October 12, 2004.
[19] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041014000275,
October 14, 2004.
[20] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041016000208, October 16, 2004.
[21] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041026000248, October 26, 2004.
[22] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041030000149, October 30,
2004.
[23] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041103000222, November 30, 2004.
[24] Ibid.
[25] _Iraq: Media Report Pre-Election Maneuvering of Shia Parties,
Al-Sadr Groups,_ (FBIS) GMF20040910000231, September 10, 2004.
[26]
_Talk Show on Iraqi Elections, Proportional Representation, Al-Sistani's
Fatwa,_ Al-Arabiyah Television, (FBIS) GMP20041018000258, 0825
GMT, October 18, 2004.
[27] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041030000149, October 3,
2004.
[28]
_Al-Sistani Office Offers Voting Guidelines,_ Al-Diyar
Television (FBIS) GMP20041030000206, 0603 GMT,
October 30, 2004.
[29] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041030000149, October 30,
2004.
[30] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041023000216, October 23, 2004.
[31] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041031000181, October 31, 2004.
[32] _Survey of Iraqi Public
Opinion: September 24-October 4, 2004,_ International Republican
Institute (IRI) available at <www.iri.org>.
[33]
__Wanted_ Cleric Urges Boycott of Iraq Elections, Another Wants
Elections on Time,_ Al-Manar al-Yawm, (FBIS) GMP20041107000119,
November 6, 2004, p. 1.
[34]
_Iraq Election Monitor: TV Brings Out the Vote; Delay Criticized,_ (FBIS)
GMF20041204000001, December 3, 2004.
[36]
_Al-Bayan Article Explaining Election Procedures, Urging Nationwide
Participation,_ Al-Bayan , (FBIS) GMP20041025000262, 25
October 25, 2004, p. 3.
[37]
_Sunni Clerics Bartering Election Participation for Al-Fallujah Shelling
Halt,_ Al-Mashriq, (FBIS) GMP20041024000016, October 23, 2004,
p. 2.
[38] _Iraq Election Monitor: Party Maneuvering, Sunni Boycott, Expat
Vote,_ (FBIS) GMF20041029000223 October 29, 2004.
[39]
_Iraqi Paper Interviews Government, Opposition Figures on Coming
Elections,_ Al-Ufuq , (FBIS) GMP20041025000267, October
25, 2004, p. 3.
[40]
_AMS Spokesman Cited on Plan, Conditions Set for Participation in Iraqi
Elections,_ Iraq For All News Network, (FBIS) GMP20041204000088,
December 4, 2004.
[41] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041026000248, October 26, 2004.
[42]
_Iraqi Security Adviser Interviewed on Elections, _Foreign Presence,_
Al-Zarqawi,_ Al-Fayha Television, (FBIS)
GMP20041029000016, 0952 GMT, October 26, 2004.
[43] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041030000149, October 30,
2004
[44] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041020000292, October 20, 2004.
[45]
_Iraqi Article Urges Sunnis Not To Boycott Elections,_ Al-Shira,
(FBIS) GMP20041028000237, October 27, 2004, p. 2.
[46] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041109000257, November 9, 2004.
[47]
_Iraqi President Al-Yawir Forms _Secular_ Political Party to Run in
Elections,_ Al-Diyar Television , (FBIS)
GMP20041123000268, 1700 GMT, November 23, 2004.
[48]
_Four Kurdish Parties Meet in Irbil, Issue Statement on Elections,_
Tariq al-Sha'b , (FBIS) GMP20041030000171, October 30, 2004, p. 1.
[49]
_Barham Salih Says Postponing Elections to Have _Serious
Repercussions,__ Al-Arabiyah Television , (FBIS)
GMP20041128000148, 1415 GMT, November 28, 2004.
[50]
_Iraqi Figures Discuss Calls for Postponing Elections, Dialogue with
Opposition,_ Al-Jazirah Satellite Channel Television , (FBIS)
GMP20041128000207, 1715 GMT, November 28, 2004.
[51] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041110000224, November 10, 2004.
[52]
_Turkoman Front Leader on Participation in Elections, Situation in
Kirkuk,_ Al-Mustaqbal, (FBIS) GMP20041129000241, November 29,
2004.
[53]
_Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections Iraq,_ (FBIS)
GMP20041021000163, October 20, 2004.
[54]
_Election Official Says 70 Electoral Lists Received,_ Al-Sharqiyah
Television , (FBIS) GMP20041213000095, 1100 GMT, December 13,
2004.
[55]
_Unified Elections List Represents Various Iraqi Sectors, Ethnic
Backgrounds,_ Al-Najaf News Network, (FBIS) GMP20041215000084,
December 14, 2004.
[56]
_Iraq Al-Sha'lan Calls List Backed by Al-Najaf Religious Authority
_Iranian_ List_ Al-Sharqiyah Television, (FBIS)
GMP20041215000090, 1100 GMT, December 15, 2004.
[57]
_Kurdish Parties Run for Legislative Elections with an Independent
List,_ Al-Jazirah Satellite Channel Television, (FBIS)
GMP20041202000023, 0515 GMT, December 2, 2004.
[58]
_Al-Sharqiyah Further Reports on Electoral Lists of Iraqi Political
Entities,_ Al-Sharqiyah Television, (FBIS) GMP20041215000209,
1305 GMT, December 15, 2004.
[59]
_Iraq Election Monitor: Sunni Party on List, Obstacles to Expat, Kurd
Votes,_ (FBIS) GMF20041218000002, December 17, 2004.
[60] _Iraqi Paper Reports
Names Included in Independent , Coalition Tickets,_ Al-Mashriq ,
(FBIS) GMP20041214000271, December 13, 2004, p. 1.
[61] _Three Iraqi Election Office Staff _Gunned Down_ in
Baghdad,_ AFP, December 19, 2004.
[62] _Letters to Iraqi Commission Demand Cancelling
Elections, Include Threats,_ Al-Sharqiyah Television, (FBIS)
GMP20041031000104, 1100 GMT October 31, 2004.
[63] _Iraqi Islamic Group Threatens To Target Polling
Centers,_ Al-Arabiyah Television, (FBIS) GMP20041118000219, 0610
GMT, November 18, 2004.
[64] _Jihadist Websites: Ansar Al-Sunnah Army Threatens Iraqi
Elections; Tips on Ambushing US Helicopters,_ (FBIS) GMP20041118000268,
November 18, 2004.
[65]
Sam Dagher, _Iraqi Voter Registration Forms Burned by Insurgents in
Mosul,_ AFP, November 20, 2004.
[66]
_Iraqi Salafist Official Defends Margaret Hassan_s Murder,_
Liberation, (FBIS) EUP20041118000039, November 18, 2004.
[67] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041031000181, October 31, 2004.
[68]
_Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041025000184, October 25, 2004.
[69]
_Al-Arabiyah TV Talk Show Discusses Iraqi Elections,_ Al-Arabiyah
Television, (FBIS) GMP20041122000264, 1905 GMT, November 22, 2004.
[70]
_Iraqi Party Official Condemns Recruits_ _Senseless_ Deaths; Discusses
Elections, Al-Fayha Television, (FBIS) GMP20041026000118,
October 25, 2004.
[71]
_Iraqi Security Adviser Interviewed on Elections, _Foreign Presence_,
Al-Zarqawi,_ Al-Fayha Television, (FBIS)
GMP20041029000016, 0952 GMT, October 26, 2004.
[72] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_
Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections , (FBIS)
GMP20041012000225, October 12, 2004.
[73]
_SCIRI Official Issues Statement Rejecting Calls To Postpone Iraq
Elections,_ (Internet) Supreme Council for Islamic Revolution in Iraq, (FBIS)
GMP20041123000227, November 23, 2004.
[74]
_SCIRI Official Says Al-Najaf, Karbala Attacks Seek To Obstruct Iraq
Elections,_ Al-Manar Television , (FBIS) GMP20041219000216, 1840
GMT, December 19, 2004.
[75]
_Al-Ahali Interviews Iraqi Citizens on Significance of Elections,_
(FBIS) Al-Ahali, GMP2004102000023,
October 20, 2004,
p. 8.
[76] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041022000107, October 22,
2004; _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041021000163, October 20, 2004; International Republican Institute
Survey.
[77] International Republican
Institute Survey.
[78] Ibid
[79] Ibid.
[80] _Iraq_..Where To?
Results of the Opinion Poll Conducted by the Gulf Research Council (GRC)
in Iraq, February-March 2004,_ Gulf Research Council, available at
<www.grc.ae>.
[81] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041012000225,
October 12, 2004.
[82] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041016000208, October 16, 2004.
[83] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041012000225, October 12, 2004.
[84] _Iraqi TV Al-Fayha Program Reports Care Aid Chief
Abduction, Discusses Elections,_ Al-Fayha Television, (FBIS)
GMP20041020000234, 0900 GMT, October 20, 2004.
[85] _Al-Ahali Interviews Iraqi Citizens on Significance of
Elections,_ Al-Ahali, (FBIS) GMP20041020000233, October
20, 2004, p. 8.
[86] _Al-Arabiyah TV Talk Show Discusses Iraqi Elections,_
Al-Arabiyah Television, (FBIS) GMP20041122000264, 1905 GMT, November
22, 2004.
[87]
_Mujahidin Radio Blames Election Commission for _Slow_ Work, Calls for
Active Media,_ Voice of the Mujahidin, (FBIS) GMP20041103000056,
0620 GMT, November 2, 2004.
[88] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS) GMP20041107000235,
November 7, 2004.
[89] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041109000257, November 9, 2004.
[90]
_Al-Ahali Interviews Iraqi Citizens on Significance of Elections,_
Al-Ahali,
(FBIS)
GMP20041020000233, October 20, 2004, p. 8.
[91] International Republican
Institute Survey.
[92] _Roundup of Iraqi Press
Reporting on Jan 2005 Elections ,_ (FBIS) GMP20041012000225,
October 12, 2004.
[93] _Iraq Election Monitor: Iraq_s Independent Electoral
Commission Publishes Daily on Election Affairs,_ (FBIS)
GMP20041209000085, December 5, 2004.
[94]
_Iraq Election Monitor: TV Brings Out the Vote; Delay Criticized,_ (FBIS)
GMF20041204000001, December 3, 2004.
[95]
_Iraq Election Monitor: Al-Sistani's Fatwa, Posters Urge Iraqis
to Participate in Elections,_ (FBIS) GMP20041211000033, December 11,
2004.
[96] _Iraq Election Monitor: Start of Election Activity, Debate over
Delay,_ (FBIS) GMF20041021000290, October 21, 2004.
[97]
_Iraqi Paper Reports on Conference on Elections in Babil Governorate,_
Al-Mada, (FBIS) GMP20041024000194,
October 24, 2004,
p. 6.
[98]
_Roundup of Iraqi Press of 26 October Reporting on Jan 2005 Elections,_
(FBIS) GMP20041028000168, October 28, 2004.
[99] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041012000225, October 12, 2004.
[100] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041103000222, November 3, 2004.
[101] _Iraqi National Assembly Member: Women_s Rights _Mere
Propaganda__, Al-Mada, (FBIS) GMP20041025000244, October 25,
2004, p. 6.
[102] _Iraq: _Those Who Pant for American Carrot,_ _Patience
of the Hopeful_ Mocked,_ Al-Hawzah, (FBIS) GMP20041125000220,
November 4, 2004.
[103] _Writer Sees 'Intervention' by 'US Intelligence' in
Iraqi Elections,_ Al-Furat, (FBIS) GMP20041024000095,
October 24, 2004, p. 3.
[104] _Iraqi Commentary Says United States Serious About
Holding Elections,_ Al-Adalah, (FBIS) GMP20041031000010, October
27, 2004, p. 12.
[105] Ibid.
[106] _Iraqi Writer Says Polls a Dilemma for All, Whether
Held on Time or Delayed,_ Al-Ufuq, (FBIS) GMP20041105000184,
November 2, 2004, p. 4.
[107] _Muqtada al-Sadr Message Urges Troops to Quit Iraq
_Straight Away_ After Election,_ Al-Hawzah, (FBIS)
GMP20041125000239, November 11, 2004, p. 1.
[108] _Al-Sadr Urges SCIRI, Al-Da_wah Party to Reconsider
December Decision to Run for Elections,_ Al-Jazirah Satellite
Channel Television, (FBIS) GMP20041202000181, 1324 GMT, December 2,
2004.
[109] _Iraqi Communist Party Leader Views Electoral Program,
Obstacles to Elections,_ Al-Sharqiyah Television, (FBIS)
GMP20041219000187, 1605 GMT, December 19, 2004.
[110] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005
Elections_ (FBIS) GMP20041024000144, October 24, 2004.
[111]
_Iraqi Writer Discusses Two _Wagers_ on Iraqi Elections,_ Al-Bayan,
(FBIS) GMP20041024000007, October 23, 2004, p. 3.
[112]
_Iraqi TV Al-Fayha Program Reports Care Aid Chief Abduction, Discusses
Elections,_ Al-Fayha Television, (FBIS) GMP20041020000234,
0900 GMT, October 20, 2004.
[113]
_Arab Writer Argues in Support of Sunni Arab Boycott of Elections in
Iraq,_ Al-Hayah, (FBIS) GMP20041109000305, November 1, 2004, p.
9.
[114]
_INC Head Chalabi on Debt To Gulf States, Security Situation, Other
Issues,_ Al-Bayyinah, (FBIS) GMP20041128000160, November 27,
2004, p. 14.
[115] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041025000275, October 25, 2004.
[116] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041103000222, November 3, 2004.
[117]
_Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections,_ (FBIS)
GMP20041024000144, October 24, 2004.
[118]
_Baghdad Paper Explores Benefits of Political Process, Assails Saudi
Fatwa,_ Al-Bayan, (FBIS) GMP20041123000204, November 22, 2004, p.
3.
[119] _Roundup of Iraqi Press Reporting on Jan 2005 Elections ,_ (FBIS)
GMP20041026000248 Iraq, October 26, 2004.
[120]
_Iraq Elections Monitor: Iraqi Sunni Figures Discuss Iraqi
Election Prospects; Sharm al-Shaykh Conference,_ (FBIS)
GMP20041025000217, , October 24, 2004.
For a free subscription to
MERIA and more information on the MERIA Journal and its publisher,
the Global Research in International Affairs (GLORIA) Center, write
to the editor at: profbarryrubin@yahoo.com.
|